اهم الأخبارتقارير ودراساتفلسطيني

“تقرير “تفاوت واسع في نسب التصويت بالضفة.. البيرة الأدنى بـ24% وطوباس الأعلى بـ66% ومشهد انتخابي يكشف أزمة السياسة المحلية

صوت العاصمة :أظهرت نتائج المشاركة في الانتخابات المحلية بالضفة الغربية تفاوتًا كبيرًا في نسب التصويت بين المدن، في مشهد لا يمكن قراءته بالأرقام فقط، بل بما يعكسه من أزمات سياسية واجتماعية وتنظيمية تضرب الحياة العامة الفلسطينية. ففي الوقت الذي سجلت فيه مدينة البيرة أدنى نسبة مشاركة بـ24%، تصدرت طوباس المدن الأعلى مشاركة بنسبة بلغت 66%، بينما سجلت الخليل، أكبر مدن الضفة من حيث عدد الناخبين، نسبة متواضعة لم تتجاوز 30%.

وبحسب المعطيات، بلغ عدد أصحاب حق الاقتراع في الخليل 108 آلاف ناخب، شارك منهم نحو الثلث فقط، فيما بلغ عدد الناخبين في نابلس 89 ألفًا، لكن الانتخابات حُسمت بالتزكية بعد ترشح قائمة واحدة فقط. وفي طولكرم، التي تضم 38 ألف ناخب، بلغت نسبة التصويت 43%، بينما سجلت جنين 36% من أصل 29 ألفًا، وبيت لحم 48% من أصل 22 ألف ناخب.

أما البيرة، التي تضم 21 ألف ناخب، فجاءت في ذيل القائمة بنسبة 24%، ما يعكس فتورًا واضحًا تجاه العملية الانتخابية، في حين سجلت أريحا 55%، وطوباس 66%، وسلفيت 53%. وفي قلقيلية، لم تترشح أي قائمة أصلًا، بينما فازت قوائم بالتزكية في رام الله ونابلس، في دلالة إضافية على هشاشة التنافس الديمقراطي.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تفاوتًا جغرافيًا، بل تكشف انقسامًا عميقًا في طبيعة المجتمع السياسي بين المدن والبلدات. ففي القرى والبلدات الصغيرة، تتحول الانتخابات غالبًا إلى معركة عائلية أكثر منها برنامجًا انتخابيًا، حيث تصطف العائلات الكبرى، والوجهاء، وبعض الناشطين وقيادات الفصائل وحتى شخصيات أمنية، خلف قوائم ترتبط بالانتماء الاجتماعي لا بالكفاءة أو الرؤية الخدمية. لذلك ترتفع نسب المشاركة هناك، لأن الناخب يصوّت لعائلته أو امتداده الاجتماعي، لا لمشروع بلدي.

أما في المدن الكبرى، فتبدو الصورة مختلفة. العشائرية أقل حضورًا نسبيًا، لكن السياسة الحزبية والانقسامات التنظيمية تحضر بقوة، إلى جانب حالة الإحباط العام من غياب الأفق السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات. لذلك تتراجع نسب المشاركة، لأن الناخب الحضري أكثر ميلاً لمقاطعة انتخابات لا يرى فيها تغييرًا حقيقيًا، أو يعتبرها محصورة في إدارة الخدمات دون مساس بجوهر الأزمة الوطنية والسياسية.

ويبرز هنا عامل آخر أكثر خطورة، يتمثل في الإطار القانوني الناظم للعملية الانتخابية. فالتعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات المحلية جرت بقرارات تنفيذية في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب، ما أثار تساؤلات حول الشرعية الدستورية والسياسية. كما أن نظام القائمة المفتوحة، مع السماح باختيار عدد محدود من المرشحين داخل القائمة، خلق تعقيدات إضافية وأسهم في تشتيت الأصوات وإضعاف فرص الحسم الواضح.

الأكثر دلالة أن أكثر من نصف الهيئات المحلية لم تشهد منافسة فعلية، إما بسبب وجود قائمة واحدة أو عدم ترشح أي قائمة. وهذا مؤشر لا يمكن اعتباره نجاحًا إداريًا، بل علامة على انكماش المجال العام، وتراجع الثقة بالعمل السياسي، وعزوف الكفاءات عن خوض تجربة انتخابية لا تضمن تكافؤ الفرص ولا توفر بيئة ديمقراطية حقيقية.

في المحصلة، تكشف الانتخابات المحلية في الضفة أن الأزمة ليست في نسبة تصويت مدينة هنا أو هناك، بل في غياب حياة سياسية سليمة. المواطن يريد خدمات ومياهًا وطرقًا وفرص عمل، لكنه يريد أيضًا نظامًا سياسيًا موثوقًا، ومؤسسات تمثيلية حقيقية، وانتخابات تُنتج محاسبة وتغييرًا لا مجرد إعادة تدوير للنخب المحلية. لذلك فإن قراءة الأرقام بمعزل عن هذا السياق تبقى قراءة ناقصة، لأن صناديق الاقتراع قالت ما هو أبعد من نسب المشاركة: قالت إن الثقة تتآكل، وإن السياسة المحلية بحاجة إلى إعادة بناء شاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى