
صوت العاصمة :في قلب العاصمة التي لا تنام، وبين طموحات جيلٍ يغلي بالأفكار، تبرز معضلة وجودية تعيق النهضة: صراع البقاء فوق الكراسي. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل عن فجوة حضارية تفصل بين عقولٍ تبرمج المستقبل، وأجسادٍ هرمت وهي تعانق مناصبها، رافضةً الاعتراف بأن شمسها قد آذنت بالغروب.
أولاً: كراسي الصدأ وعناد الواقع
إن المشهد العام بات مثقلاً بوجوهٍ استهلكت كل فرصها، واستنفدت كل وعودها. هؤلاء الذين يتمسكون بالمناصب كأنها قدرٌ محتوم يرتكبون جناية بحق الوطن. فالتغيير ليس ترفًا، بل ضرورة حيوية لتجديد الدماء في عروق المؤسسات.
عقلية الاحتكار: يعتقد الحرس القديم أن الخبرة تعني البقاء للأبد، بينما الخبرة الحقيقية هي التي تفتح الأبواب للشباب وتؤطر طاقاتهم.
اغتيال الطموح: عندما يجد الشاب المبتكر نفسه محاصرًا بمدير أو مسؤول يخشى التكنولوجيا ويقدّس الروتين، تكون النتيجة إما الهجرة أو الانطفاء.
ثانيًا: المزاودون.. تجار الكلمات خلف الشاشات والحدود
وهنا نصل إلى الشق الأكثر إيلامًا؛ أولئك الذين يتحدثون باسم الوطن، سواء من الداخل أو من فنادق الخارج، والذين جعلوا من “القضية” وسيلة للمزاودة وتصفية الحسابات.
إلى هؤلاء الذين يحاولون تعليمنا الصمود وهم بعيدون عن لظاه، وإلى الذين يوزعون شهادات “الوطنية” و”الخيانة” وفق مصالحهم الضيقة: كفّوا أيديكم عن أحلامنا. إن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا صراخًا في الفضائيات؛ الوطنية أن تترك مكانك لمن هو أجدر منك لبناء الوطن، لا أن تستخدم اسمه كدرع يحمي كراسيكم ومصالحكم.
ثالثًا: نصيحة “صوت العاصمة” لمن يتحدثون باسم فلسطين
إلى كل من نصب نفسه ناطقًا باسم هذه الأرض المقدسة، في الداخل أو الشتات:
الوطن ليس عقارًا مسجلاً باسمكم: فلسطين أكبر من الفصائل، وأعظم من الأشخاص. إن كنتم تحبونها حقًا، فاجعلوها بيئة صالحة لنمو شبابها، لا مستنقعًا يبتلع أحلامهم.
توقفوا عن المزاودة: من يده في النار ليس كمن يده في الماء. توقفوا عن المزاودة على جيلٍ يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، ويواجه واقعًا ورثه عن عقود من التصلب السياسي والإداري.
اعتزلوا بشرف: إن أعظم خدمة يمكن تقديمها اليوم هي التنحي بكرامة. اتركوا المجال لجيل يفهم لغة العصر، يمتلك المرونة السياسية والقدرة التقنية، ويخاطب العالم بلغة يفهمها، لا بلغة الشعارات التي أكل عليها الدهر وشرب.
كلمة أخيرة..
إن الشباب الذين يسعون للتغيير لا يريدون “هدم” ما بُني، بل يريدون ترميمه وإكمال البناء بروح حديثة. أما التمسك بالكراسي حتى الرمق الأخير، فليس وفاءً للوطن، بل حبٌ للذات وتدميرٌ ممنهج للمستقبل.
يا هؤلاء.. اتركوا الكراسي قبل أن تترككم، فالوطن ولّاد، والشباب هم أصحاب الحق الأصيل في رسم ملامح غدهم



