الرئيسيةاهم الأخبارتقارير ودراساتفلسطيني

تقرير | اقتحام غير مسبوق للأقصى.. هل بدأ الاحتلال فرض واقع جديد داخل المسجد؟

صوت العاصمة | القدس المحتلة : شهد المسجد الأقصى المبارك، الخميس، واحدة من أوسع وأخطر موجات الاقتحام منذ احتلال القدس عام 1967، بعدما اقتحم 4248 مستوطنًا باحات المسجد، بحماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وبمشاركة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست عميت هليفي، وعدد من الوزراء والحاخامات وأعضاء الكنيست، تزامنًا مع ما يسمى بـ”ذكرى خراب الهيكل”.

وجاءت الاقتحامات وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة فرضتها قوات الاحتلال، شملت تشديد القيود على أبواب المسجد والبلدة القديمة، ومنع أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الوصول إلى الأقصى، والاعتداء على عدد من المصلين وحراس المسجد، في وقت اعتبر فيه مختصون أن ما جرى يمثل تحولًا نوعيًا في سياسة الاحتلال تجاه المسجد الأقصى، يتجاوز الاقتحامات التقليدية إلى محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.

وخلال الاقتحامات، أدى عشرات المستوطنين طقوسًا تلمودية علنية داخل باحات المسجد، أبرزها ما يُعرف بـ”السجود الملحمي”، إلى جانب ارتداء لفائف “التفلين”، وترديد الأناشيد الدينية والرقصات الاستفزازية، فيما ظهر بن غفير داخل المسجد في مشاهد اعتبرها مراقبون محاولة لإظهار السيادة الإسرائيلية على المكان.

وفي سابقة هي الأولى منذ احتلال القدس، نصبت شرطة الاحتلال مظلة خاصة بالمستوطنين في الساحة الشرقية للمسجد الأقصى قرب مصلى باب الرحمة، وهو إجراء أثار تحذيرات واسعة من اعتباره خطوة تمهيدية لتكريس التقسيم المكاني داخل المسجد.

ويرى الباحث المختص في شؤون القدس عبد الله معروف أن ما شهده الأقصى يمثل أخطر سلسلة من السوابق منذ عام 1967، سواء من حيث أعداد المقتحمين أو طبيعة الطقوس التي أُديت داخل المسجد. وأوضح أن السماح بالسجود الملحمي بشكل جماعي، إلى جانب إنشاء مرافق لخدمة المستوطنين داخل الأقصى، يشير إلى انتقال الاحتلال من سياسة حماية الاقتحامات إلى العمل على تثبيت وجود دائم داخل المسجد.

بدوره، حذر الباحث زياد ابحيص من أن نصب المظلة في الساحة الشرقية لا يمكن اعتباره إجراءً مؤقتًا، بل يحمل أبعادًا سياسية وهندسية تهدف إلى اقتطاع هذه المنطقة تدريجيًا، على غرار ما جرى في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، حيث تحولت الإجراءات المؤقتة مع مرور الوقت إلى واقع دائم فرضه الاحتلال.

وفي السياق ذاته، قال الأمين العام للهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، ناصر الهدمي، إن الاحتلال يستغل المناسبات الدينية اليهودية لتوسيع سيطرته على المسجد الأقصى، محذرًا من مساعٍ لاستقطاع أجزاء من المسجد، وخاصة المنطقة الشرقية، ضمن سياسة متدرجة لفرض التقسيم المكاني، وصولًا إلى تغيير الواقع التاريخي والقانوني القائم.

من جهته، اعتبر رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر أن الاقتحامات الأخيرة تؤكد سعي الاحتلال إلى تكريس سيطرة عسكرية وسياسية دائمة على المسجد الأقصى، موضحًا أن ما جرى لم يعد مجرد اقتحامات موسمية، بل أصبح سياسة حكومية تهدف إلى فرض الأمر الواقع وإعادة تشكيل هوية المكان.

وفي ردود الفعل الفلسطينية، أدانت الرئاسة الفلسطينية اقتحام المسجد الأقصى، مؤكدة أن جميع الإجراءات الإسرائيلية باطلة، وأن المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا هو حق خالص للمسلمين، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.

كما حذرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية من أن تصاعد الاقتحامات وأداء الطقوس التلمودية برعاية رسمية من حكومة الاحتلال يمثل انتهاكًا صارخًا للوضع التاريخي والقانوني للمسجد، ويهدد بإشعال صراع ديني في المنطقة، مطالبة المؤسسات الدولية بتحمل مسؤولياتها تجاه حماية المقدسات الإسلامية.

من جانبها، أكدت حركة حماس أن اقتحامات الأقصى تأتي ضمن مخطط متواصل لتهويد المسجد والقدس المحتلة، داعية الفلسطينيين إلى تكثيف الرباط وشد الرحال إلى المسجد، ومطالبة الدول العربية والإسلامية باتخاذ خطوات عملية لحماية المقدسات.

وتعكس أحداث الخميس تصعيدًا غير مسبوق في طبيعة الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، ليس فقط بسبب العدد الكبير للمقتحمين، وإنما أيضًا نتيجة الإجراءات والطقوس التي رافقتها، وفي مقدمتها السجود الملحمي، ورفع العلم الإسرائيلي داخل المسجد، ونصب مظلة دائمة في الساحة الشرقية، وهي خطوات يرى مختصون أنها تمثل محاولة عملية لتغيير الواقع التاريخي والقانوني للأقصى، وفرض معادلات جديدة تمس هوية المسجد ومستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى