مقالاتالرئيسية

بقلم: “صالح شوكة “سراب «السلام» وحتمية البندقية: تفكيك لغة الاتفاقيات الوهّامة من أوسلو إلى واشنطن

صوت العاصمة : التاريخ لا يعيد نفسه إلا على شكل مأساة حين نصرّ على قراءة السطور ذاتها وتوقّع نتائج مختلفة.

فالحديث المتكرر عن «اتفاقيات سلام» أو «أطر تفاهم» مع احتلال أُقيم بنياناً وعقيدة على أنقاض الوجود العربي، يبدو أشبه بركضٍ طويل وراء سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً.

وما أثبتته العقود الماضية، وما تؤكده الوقائع المشتعلة اليوم، أن الاحتلال الإسرائيلي لم ينظر يوماً إلى ورق المعاهدات باعتباره مدخلاً لإنهاء الصراع أو إعادة الحقوق، بل تعامل معه دائماً كدرع سياسي وغطاء أمني يمنحه مزيداً من الوقت والمساحة لترسيخ مشروعه الاستيطاني والتوسعي على الأرض.

وتعليمنا الأول في أبجدية هذا الوهم بدأ فلسطينيّاً؛ فعندما وقّعت السلطة الفلسطينية اتفاقياتها قبل عقود، جرى تسويق الوعود للشعب الفلسطيني بأن الدولة المستقلة أصبحت على مرمى حجر، وأن بناء المؤسسات والمسار التفاوضي سيقودان تدريجياً إلى استعادة الأرض وتفكيك الاحتلال. لكن المفارقة التاريخية الصادمة تمثلت في أن السنوات التي تلت التوقيع حملت واقعاً معكوساً تماماً؛ حيث تحول “السلام” إلى أكبر مظلة لتوسيع الاستيطان بصورة غير مسبوقة، وتقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويل مدنها إلى جزر معزولة ومحاصرة، فيما استمرت آلة التهويد ومصادرة الأراضي تنهش في جغرافيا الدولة الموعودة لتجعلها مستحيلة التحقق.

ولم تقف نتائج هذا النهج التفاوضي عند حدود قضم الجغرافيا، بل امتدت لتضرب جوهر القضية الوطنية وهويتها. فقد استُخدمت الاتفاقيات كواجهة تجميلية أمام المجتمع الدولي للإيحاء بوجود “عملية سلام” مستمرة، بينما كانت السياسات الإسرائيلية على الأرض تمارس أبشع صور التهويد في القدس، وتصعّد الاقتحامات للمسجد الأقصى، وتفرض وقائع الفصل والحصار والقمع اليومي. وهكذا، تحوّل ما وُصف يوماً بأنه «طريق السلام» إلى كمين استراتيجي طويل من الانتظار، فيما كانت الدبابات والجرافات الإسرائيلية ترسم حدوداً جديدة من طرف واحد.

اليوم، وبذات المنهجية التي تختبر وعي الشعوب، يتجلى هذا الكمين مجدداً في تفاصيل ما سُمّي بـ«الاتفاق الإطاري» الموقّع في واشنطن (حزيران 2026)، والذي لا يمكن قراءته إلا كامتداد بنيوي للنهج ذاته، ولكن بصيغة لبنانية وبرعاية أمريكية مباشرة. فالنص الذي يُقدّم للرأي العام كصيغة لإنهاء النزاع واستعادة السيادة، يكشف تفكيك لغته الدبلوماسية عن محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج معادلة أمنية وسياسية تمنح الاحتلال مكاسب استراتيجية عجز عن انتزاعها في الميدان. وتظهر خطورة هذا الاختلال عند الغوص في البنود المشروطة للاتفاق؛ إذ إن ربط الانسحاب الإسرائيلي المرحلي والتدريجي بـ “إجراءات أمنية شرسية” وتفكيك بنية المقاومة، يمنح الاحتلال – بالتعريف القانوني والميداني – ذريعة دائمة ومطاطة للمماطلة، أو الإبقاء على وجوده العسكري تحت حجة عدم استكمال الشروط الأمنية. بل إن الاتفاق يذهب إلى ما هو أخطر من ذلك عبر قوننة الضغط المالي؛ إذ إن ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بما يُعرف بـ «معايير الأداء الأمني»، يحوّل لقمة عيش المواطن وحق المدنيين في العودة إلى أدوات ابتزاز سياسي تستهدف إعادة تشكيل الواقع السيادي اللبناني ليتوافق مع الرغبات الإسرائيلية والأمريكية.

ولا تقف الشواهد عند الشروط التعجيزية، بل تتجاوزها إلى طبيعة التوازنات التي صاغت هذا الاتفاق منذ جلسته الأولى في واشنطن. فالإشادة العلنية والحرفية بالدور الأمريكي وقيادة الإدارة الأمريكية لا يمكن تصنيفها كأدبيات دبلوماسية عابرة، بل هي صك اعتراف بأن الاتفاق لا يعكس تسوية متكافئة بين طرفين ذوي سيادة، بقدر ما يعبر عن رؤية أمريكية-إسرائيلية مشتركة جرى إخراجها وصياغتها لتُقدّم كإطار للحل والاستقرار. هذا الخلل البنيوي يفسر تماماً المخاوف العميقة من مصطلح “الترتيبات المرحلية” أو “المناطق التجريبية” ذات الوضع الخاص في الجنوب. فالتجربة التاريخية في المنطقة بأسرها علمتنا أن الوقائع الميدانية التي تُفرض تحت ستار «المرحلة المؤقتة» أو «المناطق النموذجية المؤقتة»، كثيراً ما تتحول بفعل الأمر الواقع والتواطؤ الدولي إلى حقائق دائمة، يصعب نقضها أو تغييرها لاحقاً، لتصبح السيادة الوطنية مجرد حبر على ورق الاتفاقيات.

وفي مواجهة هذا المسار التفاوضي المجرَّب والمثقوب، تبرز حتمية القراءة التاريخية الحقيقية للصراع؛ فالاحتلال الإسرائيلي، بطبيعته الإحلالية والتوسعية، لم يتراجع يوماً عن موقع أو يتخلى عن سياسة جوهرية نتيجة لباقة التفاوض أو دقة الصياغات القانونية، بل تراجع دائماً تحت وطأة ضربات الميدان وتغيّر موازين القوى التي تفرض عليه حسابات خسارة وكلفة لا يطيقها. ومن هنا، يصبح الرهان على الضمانات الدولية والوعود السياسية رهانًا على سراب، وتصبح القوة الذرع الوحيد القادر على حماية الأرض والإنسان وفرض معادلات الردع.

بين من يرى في الرسائل الدبلوماسية والاتفاقيات السياسية مخرجاً من دوامة الحروب، ومن يفككها باعتبارها أدوات ناعمة لإعادة إنتاج الهيمنة، يبقى محك الواقع هو الحَكَم. إلا أن ما لا يمكن قفزه أو تجاهله، هو أن التجارب المريرة والمتراكمة في فلسطين ولبنان جعلت الشعوب أكثر تشككاً في “هدايا واشنطن” المعمّدة بالانحياز، وأكثر اقتناعاً بيقين تاريخي ثابت: أن الحقوق التي انتُزعت بالقوة لا يمكن استعادتها أو صونها إلا بامتلاك القوة. وبين السراب والحقيقة، تبقى الشعوب مطالبة بقراءة دماء التاريخ جيداً، قبل أن تمنح ثقتها لاتفاق جديد يحمل العناوين القديمة ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى