مقالات

الكاتب: المحامي إبراهيم ذويب/حين يموت صُنّاع الحياة قهراً

صوت العاصمة :في ظل استشراء البطالة في سوق العمل الفلسطيني وانعكاسها على الواقع المعيشي للعمال وأسرهم، مع عدم وجود إحصائيات دقيقة لعدد المتعطلين عن العمل لطبيعة الظروف التي نعيشها ولتنوع سوق العمل الفلسطيني، تشير الإحصائيات المتاحة الى وجود نحو 550 الف عاطل عن العمل، وهو رقم يعكس حجم التحدي وخطورته.

العمال، هذا القطاع العريض من الشعب يمثل رأس المال الوطني، فهم صناع الحياة ومن يبنون الإقتصاد ومحركو عجلة الحياة، بذلك يحركون الإقتصاد الوطني فهم رأس المال الحقيقي إلا أن عمالنا الفلسطينيين منذ سنوات طويلة يعانون من غياب سياسات اقتصادية واجتماعية وخطة وطنية شاملة لحمايتهم من البطالة وتردي أحوالهم وأحوال أسرهم المعيشية.

فهم يصرخون وحدهم، ويرفعون الصوت عالياً منذ فترات طويلة دون مجيب، ويدقون كل الجدران دون أن يجدوا آذانا صاغية، وكلنا يعلم أن لا عمل لائق تحت الإحتلال ولا كرامة عمالية في ظل الحصار والاستيطان والقمع. الصراخ لوحده لا يكفي دون خطط موضوعية تبنى على تقارير للرقابة وتنظيم نقابي مهني قطاعي يناضل من أجل تحسين شروط العمل وظروفه، وتقر تشريعات تعزز الحماية الاجتماعية.

المشهد الأخير والمؤام لنا جميعا، للعمال الفلسطينيين وهم ينتقلون للعمل عبر شاحنات جمع النفايات، هو غيض من فيض، وهي حالة ناجمة عن العوز والفقر وقلة الحيلة فهم يسعون لكسب قوت أطفالهم، حتى خلال عملهم في المناطق الفلسطينية في أكثر المجالات صعوبة ومعاناة مثل جمع النفايات والخردة، وما الى ذلك من تدوير النفايات بشكل فردي لتشكل مصدر رزق لهم، بما إستطاعوا الى ذلك سبيلاً من أجل أن يكسبوا قوت أطفالهم في ظل غياب أي سياسات اقتصادية واجتماعية ولا حماية قانونية تسعف العمال وأبناءهم.

المشاهد المؤلمة التي انتشرت على نطاق واسع ليست جديدة وربما ليست هي الأقسى والأسوأ، فثمة أشكال مختلفة لا تقل في سوئها عن النقل في حاويات جمع النفايات، فالعمال يتسلقون جدران الفصل العنصري ويعرضون أنفسهم للموت وكل صنوف الإذلال المتوقعة من أجل لقمة عيشهم، وبعضهم يمرون عبر عبارات تصريف المياه العادمة.

فالعمال الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يموتون قهراً. فما بين حقوقهم الإنسانية والدستورية والمكفولة بالقانون الأساسي بالحق في العمل وبين واقع مرير من بطالة مستشرية وغياب للمشاريع والسياسات التي تكفل حمايتهم الفعلية يكابدون وحدهم صعوبات الحياة ويصارعون من أجلها منفردين.

وفي خضم هذا القهر تتوالى أيام العمال الاحتفالية، حيث نشبعهم شعارات، كيوم الصحة والسلامة المهنية ويوم العمل اللائق، بينما في الواقع الأعم ّيغيب فيه العمل الكريم، حيث الأجور المتدنية وضعف الرقابة على تطبيق أحكام القوانين.

وأمام كل ذلك، يضطر العمال فهم إما للتوجه نحو المشاريع الإسرائيلية، مخاطرين بحياتهم، ويدفعون أجوراً باهظة من أجل نقلهم، علاوة على المعاناة من ظروف العمل غير اللائقة بالكرامة الإنسانية فضلاً عن تعرضهم للإعتقالات بشكل يومي، بل إن الأمر وصل إلى إنشاء مراكز احتجاز خاصة بالعمال، وكأن جريمتهم الوحيدة هي السعي لكسب لقمة العيش.

وقد شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد ضحايا ما يُعرف بـ”شهداء لقمة العيش”، حيث تجاوز عددهم (50) شهيدًا، وهم ذاتهم العمال الذين كانوا يشكّلون رافدًا أساسيًا للاقتصاد الفلسطيني من خلال عملهم في المشاريع الإسرائيلية، إذ كانوا يضخّون ما يقارب (1.35) مليار شيكل شهريًا في السوق الفلسطينية، وفي المقابل، فإن أوضاع العاملين في المشاريع العربية ليست بأفضل حالا، ففي قطاع غزة الصامد أقدمت العديد من الشركات في الآونة الأخيرة على فصل أعداد كبيرة من العمال فصلاً تعسفياً. الأمر الذي زاد أوضاعهم السيئة سوءاً، وفي الضفة الفلسطينية يبرز بشكل واضح الضعف في تطبيق أحكام قانون العمل الفلسطيني إلى جانب القصور في الرقابة على تنفيذه، كما تتجلى الإشكالية بشكل أكبر عند لجوء العمال إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم، حيث لا توجد محاكم مختصة بشكل منفرد للعمل وطول أمد التقاضي الأمر الذي يفرغ العدالة من مضمونها ويجعل الوصول إليها مرهقًا. وكم شهدت قاعات المحاكم قضايا يموت فيها العمال الذين أفنوا حياتهم في الشركات ومرافق العمل قبل أن يتسنى الوقت الملائم للنظر في قضاياهم والبت بها، فيموت العامل قهراً في ظل هذا الواقع، وغدو ضحية مرتين: مرة في حياته العملية، ومرة في سعيه للحصول على حقه.

هذا الواقع يفرض ضرورة تكامل الأدوار، بين مختلف الأجسام والهيئات المعنية من دوائر السلطة وأجهزتها والقضاء، والنقابات وممثلي العمل وممثلي القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، والفصائل والروابط الحقوقية المتخصصة، للعمل المشترك والحثيث من أجل استكمال منظومة التشريعات، للمطالبة بإستكمال سلة التشريعات وتحديداً ما يتصل بضرورة وجود قانون ضمان إجتماعي وتطبيق أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لعام 2000.

ولا يقل دور الأحزاب اليسارية بشكل خاص والأحزاب بشكل عام والتي تدعي وترفع شعارات الدفاع والمطالبة بحقوق العمال وفكر الطبقة العاملة أن تنتقل من الدور الدعاوي الى الدور الجدي والفعال لحماية حقوق العمال إنسجاماً مع برامجهم، كل هذا الحال المرير والأوضاع المؤلمة ونحن تفصلنا أيام معدودة عن الأول من أيار عيد العمال العالمي، الذي يحتفل به من ذوي الياقات البيضاء، فيتحول إلى عطلة وفرصة للراحة، في حين يمرّ هذا اليوم ثقيلًا على العمال من ذوي الياقات الزرقاء، الذين يواصلون كدحهم دون حقوق، وفي النتيجة العمال يموتون كل يوم وهم يرقبون أبنائهم ما بين حاجتهم للطعام والكسوة والأقساط الجامعة وحاجاتهم الصحية للعلاج، فهم يموتون كل يوم، وكل ساعة قهرًا، وهم يكابدون أعباء الحياة، فكيف لصناع الحياة أن تسلب حياتهم ويموتون قهراً.

*محامي ومحاضر جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى