
صوت العاصمة :في مشهد يتكرر يوميًا، يتقدم الاستيطان بخطى ثابتة، مدعومًا بغطاء سياسي كامل، فيما تتصاعد اعتداءات المستوطنين على الأرض والإنسان بشكل يكشف بوضوح طبيعة المرحلة التي تعيشها الضفة الغربية. لم يعد ما يجري مجرد حوادث متفرقة، بل أصبح نمطًا ممنهجًا يهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة، عنوانه السيطرة الكاملة وتفريغ الأرض من أصحابها.
إعادة افتتاح مستوطنة “صانور” بحضور وزراء في حكومة الاحتلال وقيادات استيطانية، تمثل مؤشرًا واضحًا على أن مشروع الاستيطان دخل مرحلة أكثر جرأة، تقوم على إعادة تثبيت البؤر التي أُخليت سابقًا، وتوسيع النفوذ الاستيطاني دون أي اعتبار للمواثيق أو الاتفاقيات. إنها سياسة تُدار علنًا، وتُنفذ بثقة، في ظل غياب أي رادع حقيقي.
وعلى الأرض، تتكامل هذه السياسة مع سلوك يومي عنيف تمارسه مجموعات المستوطنين، الذين يتحركون بحرية تحت حماية جيش الاحتلال.
اقتحامات متكررة لمحيط منازل المواطنين، اعتداءات مباشرة، سرقة للمحاصيل الزراعية، تخريب للأراضي، إحراق للممتلكات، وملاحقة للمزارعين وحتى لمواشيهم… كلها ممارسات لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءًا من واقع مفروض بالقوة.
هذه الاعتداءات، في مجملها، لا يمكن قراءتها كأفعال فردية، بل هي أدوات ضغط تهدف إلى إنهاك المواطن الفلسطيني، ودفعه إلى التخلي عن أرضه تحت وطأة الخوف والخسارة المستمرة.
إنها سياسة استنزاف طويلة الأمد، تُنفذ بتنسيق واضح بين المستوطن والمؤسسة الرسمية التي توفر له الحماية.
لكن، وفي مقابل هذا التصعيد المتسارع، يبرز غياب لافت لدور المؤسسات الفلسطينية، ما يفتح باب التساؤل على مصراعيه: أين هو دعم الصمود الذي نسمع عنه؟ وأين أثره على الأرض؟
المواطن الذي يواجه هذا الواقع يوميًا، لا يحتاج إلى بيانات إدانة تتكرر، بل إلى إجراءات حقيقية توفر له الحماية، وتعزز قدرته على الثبات.
أما الاكتفاء بالتصريحات، في ظل هذا التغول، فلا يفعل سوى تعميق الفجوة بين الخطاب والواقع، ويمنح الاحتلال مساحة أوسع للمضي قدمًا دون أي تكلفة تُذكر.
إن “دعم الصمود” الذي يبقى حبيس الكلمات، لا يمكنه أن يردع مستوطنًا، ولا أن يمنع جريمة، ولا أن يحمي أرضًا. وفي ظل استمرار هذا النهج، يبدو أن الاحتلال بات يمارس ما يشاء دون رادع، مستفيدًا من صمت دولي، وأداء رسمي لا يرتقي إلى مستوى التحدي.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيد، بل إعادة تشكيل قسرية للواقع، تُفرض بالقوة وتُكرّس يومًا بعد يوم. وبين استيطان يتمدد واعتداءات تتصاعد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل الرد محصورًا في البيانات، فيما الأرض تُسلب على مرأى الجميع؟



