
القدس المحتلة / بيروت “صوت العاصمة”: في وقتٍ تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وخطورة منذ نكبة عام 1948، خصّ الرفيق علي فيصل، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، منصة “صوت العاصمة” بمقابلة سياسية مطولة وشاملة، رسم خلالها خارطة طريق واضحة المعالم للتعامل مع التحديات الوجودية الراهنة.
ولم تقتصر تصريحات فيصل على تشخيص الواقع المأساوي الناجم عن العدوان، بل تعدته لتقديم “هندسة سياسية وتنظيمية” متكاملة لكيفية إدارة قطاع غزة في اليوم التالي لوقف إطلاق النار، وآليات إصلاح منظومة العمل الوطني عبر انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، موجهاً رسائل حاسمة للاحتلال، وللإدارة الأمريكية، وللداخل الفلسطيني.
1. الأولوية المطلقة: وقف حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة
استهل الرفيق علي فيصل حديثه بالتشديد على الموقف الثابت والثابت للجبهة الديمقراطية، معلناً أن الأولوية الوطنية القصوى التي لا تتقدم عليها أي أولوية أخرى هي الوقف الفوري لحرب الإبادة الجماعية، وإنهاء سياسة التجويع والتطهير العرقي التي يتعرض لها أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على يد آلة الحرب الإسرائيلية.
ووصف فيصل الحكومة الإسرائيلية الحالية بأنها “مثلث إرهابي فاشي” يقوده الثلاثي (نتنياهو، وبن غفير، وسموتريتش)، مشيراً إلى أن هذه الحكومة تحاول استغلال الدعم الأمريكي والغربي اللامحدود لتصفية الهوية الجغرافية والسياسية للفلسطينيين. وأضاف:
“إن دماء شهدائنا وأبناء شعبنا في غزة والضفة والقدس قالت بوضوح: إن هذه الأرض ليست ملكاً عقارياً لنتنياهو أو ترامب، بل هي أرض مقدسة للدولة الفلسطينية المستقلة.”
وفي سياق الحلول الإجرائية لوقف نزيف الدم، دعا فيصل إلى التطبيق العاجل للمرحلة الأولى من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، والذي يضمن:
-
وقفاً فورياً للعدوان وانسحاب قوات الاحتلال.
-
فتح المعابر بشكل كامل وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية لإغاثة السكان وتأمين مقومات الحياة.
-
قطع الطريق على الخداع السياسي الذي يمارسه ثنائي “نتنياهو وترامب” عبر إطلاق العنان لاستمرار القصف تحت شعارات مضللة.
2. لادارة قطاع غزة: مرجعية المنظمة ترفض “الوصاية الخارجية”
وفيما يخص الملف الأكثر جدلاً والمتعلق بإدارة قطاع غزة بعد توقف المدافع، حذر نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية بشدة من أي محاولات دولية أو إقليمية لفرض “وصاية أجنبية” أو هيمنة أمريكية-إسرائيلية على القطاع.
وطرح فيصل رؤية الجبهة لحل هذه المسألة عبر مسار فلسطيني خالص يتمثل في دخول “لجنة وطنية” لإدارة قطاع غزة مَهمتها إنهاء المأساة الإنسانية، والإشراف على الانتقال الآمن من مرحلة الإغاثة والتعافي إلى مرحلة إعادة الإعمار الشاملة. وحدد فيصل ركيزتين لهذه اللجنة:
-
أن تكون بمرجعية سياسية مباشرة من منظمة التحرير الفلسطينية.
-
أن تعمل بالتنسيق الكامل والمنظم مع حكومة السلطة الفلسطينية في رام الله، لضمان وحدة الجغرافيا والسياسة بين الضفة وغزة والقدس وإحباط مخططات الفصل الإسرائيلية.
3. البرنامج المرحلي وصيانة منظمة التحرير بـ “مداد الشهداء”
وفي محور الهوية والنضال التاريخي، عبّر الرفيق علي فيصل عن اعتزازه بالجبهة الديمقراطية باعتبارها “حزب الشهداء، وجبهة الأحرار، والعمال، والفلاحين، والفقراء والمعدمين”. ووجّه تحية إجلال للأبطال الذين لولا تضحياتهم لما صان الشعب الفلسطيني وجوده في وجه الإحلال الصهيوني القائم على أكذوبة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.
وأوضح فيصل أن الجبهة الديمقراطية قدمت مبادرات سياسية تاريخية صاغتها بـ”مداد الشهداء”، وفي مقدمتها “البرنامج الوطني المرحلي” (برنامج تقرير المصير، والعودة، والدولة المستقلة على حدود 4 حزيران 1967 وعاصمتها القدس). واعتبر أن هذا البرنامج يمثل قاعـدة الإجماع الوطني الفلسطيني، مشدداً على أن حق العودة وفق القرار الدولي 194 هو حق تاريخي مقدّس لا يقبل التفاوض، أو التنازل، أو المساومة.
ودعا فيصل إلى التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، مع ضرورة انتهاج سياسة حكيمة تعتمد على المقاومة والوحدة، وتبتعد تماماً عن المراهنة على الحلول والوعود الأمريكية الزائفة.
4. انتخابات المجلس الوطني: خارطة طريق الجبهة لإصلاح البيت الداخلي
انتقل الرفيق علي فيصل في الجزء الثاني من المقابلة إلى تقديم قراءة تفصيلية وعميقة لكيفية علاج أزمة الانقسام الداخلي وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني. واعتبر أن تنفيذ مخرجات الحوارات الوطنية، وآخرها “اتفاق بكين”، يتطلب الدعوة العاجلة لحوار وطني شامل يضم فصائل المنظمة والقوى الفاعلة خارجها.
ورأى فيصل أن الممر الحقيقي لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية وتوحيد الطاقات هو إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني كاستحقاق وطني بامتياز، رافضاً أي محاولات غربية لفرض ما يسمى “الإصلاح المكيّف” مع الرغبات الغربية. ولضمان عملية ديمقراطية ناجحة وتشاركية، طرح فيصل محددات الجبهة الديمقراطية الأربعة:
| المحدد | المضمون والآلية الإجرائية | الهدف السياسي والتنظيمي |
| التمثيل النسبي الكامل | اعتماد قانون التمثيل النسبي بنسبة حسم لا تتجاوز 1% فقط. | فتح الباب أمام التعددية السياسية ومشاركة الكل الفلسطيني دون إقصاء. |
| تمكين الشباب | خفض سن الترشح لانتخابات المجلس الوطني إلى 23 عاماً. | إشراك الأجيال الشابة وضخ دماء جديدة في المستويات القيادية للثورة. |
| تمثيل المرأة | إقرار كوتا نسائية إلزامية لا تقل عن 30% في القوائم. | إنصاف المرأة الفلسطينية وإشراكها الحقيقي في صنع القرار السياسي. |
| التوازن الجغرافي | إجراء الانتخابات في الوطن (الداخل) أولاً، وبالتوازي في الخارج (الشتات) عبر الانتخاب أو بالتوافق حيثما تعذر. | الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة وتجاوز عوائق الجغرافيا. |
وأشار فيصل إلى أن الجبهة الديمقراطية تعمل بدأب من خلال ممثليها في اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني، ولجنة المغتربين، واللجنة التنفيذية، لتوفير هذه القاعدة الصلبة التي تجمع بين عوامل تعافي غزة والتوجه الموحد في الضفة والقدس لتجسيد السيادة الوطنية.
5. تدويل الصراع: عزل إسرائيل كمحاكاة لإسقاط “الأبارتايد”
وفي ختام مقابلته الحصرية مع “صوت العاصمة”، وجّه الرفيق علي فيصل نداءً حاراً للدول العربية وشعوب العالم الحر والنقابات والمؤسسات القانونية، مطالباً بضرورة نقل الصراع إلى مربع “المحاسبة الدولية الصارمة”.
وأكد فيصل أنه لو حوسبت إسرائيل على جرائمها مرة واحدة منذ نشوئها عام 1948 لما تجرأت على ارتكاب المحارق الحالية في غزة. وبناءً على ذلك، دعت الجبهة الديمقراطية إلى مصفوفة إجراءات دولية فورية:
-
سحب الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي لممارستها الإرهاب المنظم.
-
إسقاط عضوية الكنيست الإسرائيلي من الاتحاد البرلماني الدولي.
-
طرد الكيان من لجنة مكافحة الإرهاب الأممية.
وشبّه فيصل النظام الإسرائيلي الحالي بنظام الفصل العنصري البائد (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا، مذكّراً العالم بأن ذلك النظام الفاشي لم يسقط إلا عندما تلاحمت المقاومة الشعبية الشجاعة في الداخل مع طوق خانق من العقوبات الاقتصادية، والسياسية، والقانونية في الخارج؛ وهو ذات المسار الحتمي الذي سينتصر به الشعب الفلسطيني في معركة البقاء والاستقلال الوطني الناجز.



