نابلس — “صوت العاصمة” مع دخول فصل الصيف، اكتست سهول الضفة الغربية بلونها الذهبي إيذاناً بحلول موسم حصاد القمح، الذي تنتظره مئات العائلات الريفية الفلسطينية كمصدر رزق أساسي، إلا أن تصاعد الإرهاب الاستيطاني الممنهج وتواطؤ جيش الاحتلال الإسرائيلي حوّلا هذا الموسم إلى معركة يومية شاقة للوصول إلى الأرض وفلاحتها، في امتداد لسياسة التضييق التي ضربت موسم قطف الزيتون الأخير وأثرت بشكل حاد على الاقتصاد المزارع.
وتركزت الانتهاكات في هذا الموسم حول البؤر الاستيطانية الرعوية التي أقامها المستوطنون لفرض سيطرة مطلقة على السهول المفتوحة، وتوزيع الأدوار مع قوات الجيش لطرد الحصادين ومصادرة محاصيلهم ومعداتهم، وتتوزع هذه المعاناة على عدة جبهات ميدانية:
-
شرق نابلس (سالم، دير الحطب، بيت فوريك، وبيت دجن): تمتد حقول القمح في هذه المنطقة على مساحة تتجاوز 3 آلاف دونم، وتواجه العائلات هناك تضييقاً غير مسبوق بعد قيام مستوطن بتأسيس بؤرة رعوية في السهل؛ حيث فرضت قوات الاحتلال نظام “التنسيق المسبق” المشروط لحرمان الأهالي من حريتهم في دخول أراضيهم. وفي آخر الاعتداءات، طرد جنود الاحتلال مزارعي بلدة سالم بقوة السلاح، وأجبروهم على مغادرة الحقول دون السماح لهم بنقل أكياس القمح وبالات التبن التي تركوها وراءهم ليقوم المستوطنون بسرقتها لاحقاً، تلا ذلك ملاحقة الحصادات واحتجاز مفاتيحها لمنع استكمال العمل.
-
شمال رام الله (بلدة سنجل): تتعرض الحقول الزراعية في المنطقة الشمالية للبلدة لهجمات يومية متكررة من مجموعات المستوطنين لإجبار المزارعين على هجر أراضيهم، وتتنوع الاعتداءات بين مهاجمة الفلاحين جسدياً، وإطلاق الأبقار والمواشي لتخريب المحاصيل وإتلاف حقول القمح والزيتون، فضلاً عن المنع العسكري الشامل لحراثة الأرض الذي بدأ منذ مايو/ أيار الماضي، وسط إصرار من أهالي البلدة على العودة مراراً وتكراراً لإنقاذ تعب موسم كامل.
-
شمال شرق رام الله (بلدة المغير): يأخذ الإرهاب الاستيطاني طابعاً أكثر خطورة وعنفاً في السهل الشرقي للبلدة، حيث يتجول المستوطنون على خيول مسروقة لمطاردة الحصادين وبث الرعب في صفوفهم، بالتوازي مع إقدامهم خلال الأسابيع الماضية على إحراق مساحات واسعة من حقول القمح الجاهزة للحصاد، مما كبّد المزارعين خسائر مالية فادحة.
تأتي هذه الهجمات المتزامنة لتؤكد أن استهداف مواسم الحصاد —سواء القمح في الصيف أو الزيتون في الشتاء— لا يمثل اعتداءات فردية عابرة، بل هي سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف ضرب مقومات الاقتصاد الريفي الفلسطيني، وتفريغ الأرض عبر التهجير القسري الصامت، يقابلها تمسك شعبي وتجذر ميداني يصر فيه الفلاح الفلسطيني على مواجهة الرصاص والنيران لجمع ثمرة تعبه والحفاظ على هوية أرضه.








