تقرير خاص – صوت العاصمة شهدت الضفة الغربية المحتلة، خلال الفترة الممتدة من 10 حتى 16 تموز/يوليو 2026، تصعيدًا استيطانيًا واسعًا جمع بين القرارات الحكومية والتمويل المالي الضخم، وشق الطرق الاستيطانية، وتوسيع مناطق نفوذ المستوطنات، إلى جانب الاعتداءات المباشرة على المواطنين وممتلكاتهم والتجمعات الفلسطينية.
ولا تبدو هذه الإجراءات أحداثًا منفصلة، بل تأتي ضمن مسار متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الضفة الغربية جغرافيًا وديمغرافيًا، وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، وربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية بشبكة طرق وبنى تحتية خاصة، تمهيدًا لفرض الضم الفعلي على الأرض.
ميزانيات ضخمة لإنشاء 34 مستوطنة جديدة
برز أخطر تطور خلال الأسبوع في إعلان وزير مالية دولة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش عن مصادقة المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية على تخصيص نحو 1.3 مليار شيكل لإنشاء وتطوير 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة.
وتشمل الخطة تحويل المستوطنات والبؤر التي أُقيمت أو أُعيد الاعتراف بها إلى تجمعات استيطانية دائمة، وتزويدها بالبنى التحتية والخدمات اللازمة، بما يرفع عدد المستوطنات التي أُنشئت أو جرى إقرارها خلال ولاية الحكومة الحالية إلى نحو 103 مستوطنات.
إلى جانب ذلك، أعلنت حكومة الاحتلال تخصيص 1.075 مليار شيكل إضافية لشق طرق جديدة وتوسيع طرق قائمة تخدم عشرات المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية، ضمن خطة تمتد بين عامي 2026 و2028.
وتهدف هذه الطرق إلى ربط المستوطنات المعزولة بالتجمعات الاستيطانية الكبرى، وتسهيل تنقل المستوطنين، وتعزيز السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية. وتكشف تصريحات سموتريتش بأن المشروع سيعمل على “دفن فكرة حل الدولتين” عن الهدف السياسي المباشر للخطة، والمتمثل في منع قيام دولة فلسطينية مترابطة جغرافيًا. (النجاح)
توسيع مناطق نفوذ المستوطنات بالأوامر العسكرية
خلال الفترة نفسها، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن سلطات الاحتلال أصدرت، منذ بداية عام 2026، ما مجموعه 49 أمرًا عسكريًا تحت مسمى “اتخاذ وسائل أمنية”.
وتُستخدم هذه الأوامر للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتوسيع المناطق التي تسيطر عليها المستوطنات، وشق الطرق والأسوار والمناطق الأمنية المحيطة بها، بما يحوّل الإجراءات العسكرية المؤقتة ظاهريًا إلى وسيلة دائمة لمصادرة الأرض وتوسيع المشروع الاستيطاني.
وتؤدي هذه السياسة إلى منع أصحاب الأراضي من الوصول إليها أو زراعتها، وتوسيع ما يسمى بالمناطق العازلة حول المستوطنات، وتحويل مساحات فلسطينية إضافية إلى مناطق مغلقة تخضع لسيطرة جيش الاحتلال والمستوطنين.
استهداف المواقع الأثرية والتراثية
لم يقتصر التوسع الاستيطاني على الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، بل امتد إلى المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية.
وأشار تقرير للمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إلى أن سلطات الاحتلال توظف الآثار والسياحة والتراث أدواتٍ لتعزيز السيطرة على الضفة الغربية، من خلال الاستيلاء على المواقع التاريخية وإدارتها وربطها بالمستوطنات، وإعادة تقديمها باعتبارها جزءًا من الرواية الإسرائيلية.
وتبرز بلدة سبسطية شمال غربي نابلس نموذجًا واضحًا لهذا الاستهداف، إذ تواجه البلدة مشاريع استيطانية متصاعدة تستهدف موقعها الأثري وأراضيها المحيطة، وسط تضييق على السكان والمزارعين ومحاولات للسيطرة على المنطقة وتحويلها إلى وجهة سياحية خاضعة لإدارة الاحتلال والمستوطنين.
ويشير هذا المسار إلى أن المشروع الاستيطاني لا يستهدف الأرض فحسب، بل يسعى كذلك إلى إعادة صياغة هوية المكان وطمس الرواية والتاريخ الفلسطينيين.
اعتداء على نائب أميركي وطاقم صحافي
في 11 تموز/يوليو، احتجز مستوطنون مسلحون النائب الأميركي رو خانا وأفرادًا من الوفد المرافق له أثناء جولتهم قرب خربة زنوتة جنوبي الضفة الغربية.
وبحسب شهادة النائب الأميركي، أغلق المستوطنون الطريق أمام مركبته وحاصروها وهم يحملون أسلحة، فيما وصلت قوات الاحتلال ووقفت إلى جانب المستوطنين قبل تدخل الشرطة لاحقًا وإنهاء الاحتجاز.
وكان الوفد يتفقد قرية فلسطينية تعرضت للتدمير والتهجير نتيجة هجمات المستوطنين المتكررة، في حادثة أظهرت مستوى الحماية التي يحصل عليها المستوطنون، حتى عند استهداف وفود وشخصيات دولية.
وفي اليوم ذاته، هاجم مستوطنون مسلحون بالعصي والحجارة وأداة حادة طاقمًا صحافيًا تابعًا لشبكة “سي إن إن” في بلدة سنجل شمال رام الله، وحاصروا مركبته وألحقوا أضرارًا بها، من بينها ثقب الإطارات.
ويعكس استهداف الوفود الدولية والصحافيين اتساع دائرة عنف المستوطنين، ومحاولتهم منع توثيق الاعتداءات وكشف عمليات الاستيلاء على الأرض والتهجير القسري.
مسافر يطا في قلب الاستهداف
واصلت سلطات الاحتلال والمستوطنون تصعيدهم ضد التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا جنوبي الخليل، التي تعد واحدة من أكثر المناطق تعرضًا لمحاولات التهجير والاستيلاء على الأراضي.
وفي 16 تموز/يوليو، هاجم مستوطنون عائلة فلسطينية في خربة امنيزل شرقي يطا، واعتدوا على أفرادها بالضرب، ما أدى إلى إصابة ثلاثة مواطنين بجروح ورضوض.
كما استولى المستوطنون على قطيع أغنام يعود للعائلة، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المنطقة وتعتدي على الأهالي وتعتقل سبعة منهم، في مشهد يعكس التكامل الميداني بين اعتداءات المستوطنين وإجراءات جيش الاحتلال.
وفي اليوم نفسه، أخطرت قوات الاحتلال بوقف العمل والبناء في ثلاث غرف زراعية بمنطقة باروق، المحاذية لقرية الديرات شرق يطا، كما صوّرت عددًا من المنازل التي كانت قد تلقت إخطارات سابقة.
وتندرج هذه الإخطارات ضمن سياسة محاصرة الوجود الفلسطيني ومنع التوسع الطبيعي للتجمعات، مقابل تسهيل بناء المستوطنات والبؤر والطرق الخاصة بالمستوطنين.
الاستيطان الرعوي أداة للسيطرة على المساحات المفتوحة
أظهرت تطورات الأسبوع استمرار الاعتماد على ما يُسمى بـ“الاستيطان الرعوي”، الذي يقوم على إقامة مزارع وبؤر صغيرة فوق التلال والأراضي الزراعية والرعوية.
ورغم محدودية عدد المستوطنين المقيمين في هذه البؤر، فإنهم يسيطرون فعليًا على مساحات واسعة من خلال منع الرعاة والمزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ومصادرة المواشي، وتخريب المزروعات، وإقامة الأسوار والطرق الترابية.
وكانت معطيات النصف الأول من عام 2026 قد أظهرت إقامة المستوطنين 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها بؤر رعوية، بينها أربع بؤر داخل مناطق مصنفة “ب” وفق اتفاق أوسلو.
وتركزت هذه البؤر في محافظات الخليل ورام الله ونابلس وبيت لحم، في مؤشر على توسع الاستيطان خارج الحدود التقليدية للمستوطنات ووصوله إلى مناطق يفترض أنها خاضعة للإدارة الفلسطينية.
الهدم ومنع البناء الفلسطيني
بالتوازي مع تسريع بناء المستوطنات، واصلت سلطات الاحتلال عمليات هدم المنشآت الفلسطينية وإصدار إخطارات وقف البناء.
ومنذ بداية عام 2026، نُفذت 341 عملية هدم أدت إلى تدمير 740 منشأة وتشريد 923 مواطنًا، بينهم 546 طفلًا، وفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
كما شهد شهر حزيران/يونيو وحده 42 عملية هدم للمنازل و303 عمليات استهداف وتدمير لممتلكات الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وتكشف هذه الأرقام عن سياسة مزدوجة: تسريع البناء وتوفير الميزانيات والخدمات للمستوطنين من جهة، ومنع الفلسطينيين من البناء فوق أراضيهم وهدم مساكنهم ومنشآتهم الزراعية من جهة أخرى.
تصاعد عنف المستوطنين
تحولت اعتداءات المستوطنين، خلال الأسبوع، إلى جزء أساسي من عملية فرض السيطرة على الأرض، ولم تعد مجرد حوادث فردية أو عشوائية.
وتشمل هذه الاعتداءات:
- مهاجمة المنازل والتجمعات الفلسطينية.
- الاعتداء الجسدي على المواطنين.
- مصادرة الأغنام والممتلكات.
- إغلاق الطرق الزراعية والرئيسية.
- مهاجمة الصحافيين والمتضامنين الدوليين.
- منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
- تخريب المحاصيل والأشجار والمنشآت الزراعية.
وتعمل هذه الممارسات على خلق بيئة غير آمنة تدفع العائلات الفلسطينية إلى الرحيل، لتنتقل الأراضي لاحقًا إلى سيطرة المستوطنين والبؤر الرعوية.
وقد وصفت تحليلات فلسطينية هذا التصعيد بأنه سياسة منظمة تحظى بالدعم والحماية، وتندرج ضمن مشروع متكامل لتهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية.
تكشف حصيلة الفترة الممتدة من 10 حتى 16 تموز/يوليو 2026 أن المشروع الاستيطاني انتقل إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وخطورة، تقوم على دمج عدة أدوات في وقت واحد: الميزانيات الحكومية، وشق الطرق، وتوسيع مناطق النفوذ، وإقامة البؤر الرعوية، والاستيلاء على المواقع الأثرية، وهدم المنشآت الفلسطينية، وتصعيد اعتداءات المستوطنين.
ولا تستهدف هذه السياسات توسيع المستوطنات القائمة فقط، بل تسعى إلى إنشاء شبكة جغرافية واستيطانية مترابطة تفصل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها، وتحاصر القدس، وتسيطر على الأغوار ومسافر يطا والمناطق الريفية، وتمنع أي إمكانية عملية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا.
ويؤكد الإعلان عن تخصيص مليارات الشواكل للمستوطنات والطرق التابعة لها أن الضم لم يعد مجرد طرح سياسي داخل حكومة الاحتلال، بل أصبح مشروعًا يجري تطبيقه تدريجيًا فوق الأرض، من خلال تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى منظومة سيطرة دائمة، تدفع نحو التهجير والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية.








