صوت العاصمة شهد قطاع غزة خلال الفترة الممتدة من 10 حتى 16 تموز/يوليو 2026 أسبوعًا حافلًا بالتطورات الميدانية والإنسانية والسياسية، في ظل استمرار خروقات الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، وسقوط مزيد من الشهداء والجرحى، بالتوازي مع تفاقم أزمات القطاع الصحي والبيئي والإغاثي.
ولم تقتصر تطورات الأسبوع على القصف وإطلاق النار، بل امتدت إلى تصريحات إسرائيلية تؤكد التمسك بالبقاء العسكري داخل القطاع، والحديث عن إقامة بؤر استيطانية، فيما تواصلت التحركات الدولية المتعلقة بإعادة الإعمار ونشر قوة دولية، وسط تساؤلات بشأن قدرة هذه المبادرات على توفير حماية حقيقية للفلسطينيين أو إنهاء الاحتلال.
أولًا: خروقات مستمرة للتهدئة
بدأ الأسبوع بتسجيل سلسلة جديدة من الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، شملت القصف الجوي والمدفعي، وإطلاق النار، وعمليات نسف للمباني في مناطق متفرقة من قطاع غزة.
وفي 10 تموز، رُصدت 12 واقعة خرق جديدة للتهدئة، في اليوم الـ273 من سريان الاتفاق، ما أظهر استمرار الاحتلال في التعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه ترتيبًا مؤقتًا لا يمنعه من تنفيذ عمليات عسكرية داخل القطاع.
وبحلول 14 تموز، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن عدد الخروقات الإسرائيلية المسجلة منذ بدء سريان الاتفاق بلغ 3689 خرقًا خلال 275 يومًا، شملت القتل والقصف وإطلاق النار والتوغلات ونسف المباني واعتقال المواطنين.
تعكس هذه الأرقام واقعًا ميدانيًا هشًا، إذ لم تؤد التهدئة إلى وقف سقوط الضحايا أو منح السكان شعورًا بالأمان، بل أبقت القطاع تحت تهديد دائم بالقصف والاستهداف.
ثانيًا: شهداء وجرحى في أنحاء القطاع
استمرت الغارات الإسرائيلية خلال الأسبوع في استهداف مناطق سكنية ومواقع مدنية، وسُجلت إصابات وشهداء في مدينة غزة، ومخيم جباليا، ومخيم النصيرات، ومواصي خان يونس ومناطق أخرى.
في 12 تموز، أعلنت وزارة الصحة استشهاد مواطنين وإصابة 11 آخرين خلال 24 ساعة. وفي اليوم التالي، ارتفعت الحصيلة اليومية إلى 8 شهداء و32 إصابة.
وشهد يوم 14 تموز التصعيد الأكثر دموية خلال الأسبوع، إذ استهدفت غارات الاحتلال نقطة للشرطة المدنية في منطقة الفالوجا غرب مخيم جباليا، ما أدى إلى استشهاد عدد من ضباط وأفراد الشرطة، بينهم مدير مركز شرطة جباليا، إلى جانب شهداء آخرين بينهم امرأة وطفل. وأفادت تغطيات صحفية بأن الحصيلة اليومية بلغت 11 شهيدًا في مناطق مختلفة من القطاع.
كما استهدفت طائرات الاحتلال دراجة نارية في حي تل الهوى، ومناطق سكنية في مدينة غزة، ومواصي خان يونس، ما أدى إلى سقوط شهيد وعدد من المصابين.
وفي 16 تموز، أعلنت وزارة الصحة تسجيل 4 شهداء و28 إصابة خلال 24 ساعة، بينما أفادت مصادر محلية بسقوط ثلاثة شهداء وعدة مصابين في قصف منفصل على مدينة غزة.
ثالثًا: ارتفاع الحصيلة التراكمية للإبادة
واصلت حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ارتفاعها خلال أيام الأسبوع.
ففي 14 تموز، بلغت الحصيلة المعلنة 73,233 شهيدًا و173,707 مصابين منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي 15 تموز، ارتفع العدد إلى 73,246 شهيدًا و173,727 مصابًا، قبل أن يصل في 16 تموز إلى 73,250 شهيدًا و173,751 مصابًا، وفق المصادر الطبية في القطاع.
وتبقى هذه الحصيلة غير نهائية، في ظل وجود مفقودين وجثامين تحت الأنقاض، وصعوبة وصول طواقم الإنقاذ والإسعاف إلى عدد من المناطق المتضررة.
رابعًا: استهداف الشرطة ومحاولة نشر الفوضى
شكّل قصف نقطة الشرطة غرب مخيم جباليا تطورًا بارزًا خلال الأسبوع، بالنظر إلى طبيعة الموقع المستهدف ودوره المدني.
واعتبرت فصائل فلسطينية أن استهداف الشرطة يأتي في إطار محاولة إسرائيلية لضرب المنظومة الأمنية والخدماتية، ونشر الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني، وإضعاف قدرة المؤسسات المحلية على تنظيم الحياة اليومية وتأمين المساعدات وحماية الممتلكات.
ويأتي هذا الاستهداف بعد تدمير واسع طال مراكز الشرطة والدفاع المدني والبلديات والمؤسسات الحكومية، ما فاقم حالة الفراغ الخدماتي والأمني التي يحاول السكان والمؤسسات المحلية مواجهتها بإمكانات محدودة.
خامسًا: القطاع الصحي على حافة الانهيار
برز خلال الأسبوع تحذير متجدد من انهيار المنظومة الصحية في غزة، وسط استمرار استهداف الطواقم والمرافق الطبية، ونقص الأدوية والمعدات والوقود.
في 10 تموز، أدانت وزارة الصحة عمليات الاستهداف المتكررة بحق الطواقم والمرافق الصحية، وطالبت بتوفير حماية دولية للعاملين في المجال الطبي.
كما كشفت تقارير ميدانية عن معاناة آلاف مرضى السرطان الذين يواجهون خطر الموت نتيجة تعطل أجهزة العلاج، ونقص الأدوية، وتدمير المستشفيات، ومنع أعداد كبيرة من المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج.
وفي 14 تموز، نفذت مجموعة من مرضى الفشل الكلوي وقفة احتجاجية رفضًا لتقليص جلسات غسيل الكلى، في مؤشر على خطورة النقص في الإمكانات الطبية والوقود والمستلزمات الأساسية.
وتؤكد هذه التطورات أن الأزمة الصحية لم تعد تقتصر على علاج مصابي القصف، بل أصبحت تهدد المصابين بالأمراض المزمنة والسرطان والفشل الكلوي والأطفال والنساء الحوامل.
سادسًا: كارثة بيئية وانتشار الأمراض
إلى جانب الانهيار الصحي، واجه قطاع غزة خلال الأسبوع أزمة بيئية متفاقمة، نتيجة تراكم الركام والنفايات، ودمار شبكات الصرف الصحي والمياه.
وأفاد تقرير ميداني بأن أكثر من 235 كيلومترًا من شبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار تعرضت للدمار أو التعطل، في وقت تتراكم فيه ملايين الأطنان من الركام والنفايات داخل الأحياء السكنية.
ويزيد ارتفاع درجات الحرارة من سرعة انتشار الحشرات والروائح والأمراض الجلدية والمعوية، خصوصًا داخل المخيمات ومراكز النزوح التي تفتقر إلى المياه النظيفة ودورات المياه والتهوية المناسبة.
كما أدى تضرر المباني إلى حوادث إضافية، بينها إصابة 10 مواطنين إثر انهيار جدار قرب ميناء غزة في 10 تموز، في مثال على المخاطر اليومية التي يواجهها السكان داخل الأبنية المتصدعة.
سابعًا: خيام النازحين تتحول إلى أفران
تزامنت الأزمة الإنسانية مع موجة حرارة شديدة، حوّلت خيام النازحين المصنوعة من النايلون والقماش إلى ما يشبه الأفران المغلقة.
وحذرت الجهات الاجتماعية في غزة من أن ارتفاع الحرارة، وانعدام الكهرباء والمياه ووسائل التبريد، يهدد حياة الأطفال وكبار السن والمرضى والنساء الحوامل داخل مخيمات النزوح.
ويعيش النازحون ظروفًا قاسية تجمع بين الحر الشديد، والاكتظاظ، ونقص المياه، وانتشار النفايات، وغياب الخصوصية، فضلًا عن الخوف المستمر من تجدد القصف.
ثامنًا: دمار واسع في القطاع الزراعي
كشفت تقارير الأسبوع عن وصول خسائر القطاع الزراعي في غزة إلى نحو 3.5 مليارات دولار، نتيجة تجريف الأراضي وتدمير المزارع والآبار وشبكات الري والمنشآت الحيوانية.
ويهدد هذا الدمار قدرة القطاع على استعادة إنتاجه الغذائي، ويزيد اعتماده على المساعدات الخارجية، خصوصًا في ظل صعوبة إدخال المواد الزراعية والبذور والأسمدة والمعدات.
كما أن تدمير الزراعة لا يمثل خسارة اقتصادية فقط، بل يشكل تهديدًا طويل الأمد للأمن الغذائي وسبل عيش آلاف العائلات الفلسطينية.
تاسعًا: الأسرى والمفقودون وجثامين الشهداء
شهد الأسبوع الإفراج عن مجموعات من أسرى قطاع غزة الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال خلال الحرب.
في 13 تموز، وصل سبعة أسرى محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح برفقة طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فيما أُعلن في 15 تموز الإفراج عن 12 أسيرًا آخرين من القطاع.
وفي ملف المفقودين، كشف تحقيق صحفي نُشر في 16 تموز عن اتباع الاحتلال نظامًا وُصف بـ«العشوائي والغامض» في إعادة جثامين الفلسطينيين إلى غزة، من دون سجلات واضحة أو معلومات كافية عن هوية أصحابها أو أماكن العثور عليها.
وبحسب التحقيق، أسهم غياب الشفافية في تعقيد جهود التعرف إلى الجثامين، وفي استمرار الغموض بشأن مصير آلاف المفقودين.
عاشرًا: محاولات تقويض دور الأونروا
استمر الجدل بشأن محاولات استبعاد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» من العمل في قطاع غزة.
وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش في 11 تموز أنه لا يوجد أساس قانوني للتصريحات الداعية إلى إخراج الأونروا من «غزة الجديدة»، مشددة على الدور المحوري للوكالة في تقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين.
وتثير محاولات إقصاء الأونروا مخاوف من استبدالها بآليات مساعدات تخضع للسيطرة السياسية والأمنية، بما يهدد حق اللاجئين في الحماية والخدمات، ويفتح الباب أمام إعادة صياغة قضية اللاجئين بعيدًا عن القرارات الدولية.
الحادي عشر: تصريحات إسرائيلية تكشف نيات البقاء والتهجير
خلال الأسبوع، صدرت تصريحات إسرائيلية تؤكد أن الاحتلال لا ينظر إلى وجوده داخل قطاع غزة بوصفه مؤقتًا.
وقال وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس إن إسرائيل متمسكة بالبقاء في ما تسميه «المناطق الآمنة» داخل غزة وسوريا ولبنان، ما يعكس توجهًا نحو تكريس احتلال طويل الأمد لأجزاء من القطاع.
كما أثارت تصريحات إسرائيلية بشأن إقامة بؤر استيطانية داخل غزة ردود فعل فلسطينية، إذ اعتبرت حركة حماس أنها تكشف عن عقلية قائمة على التهجير والتطهير العرقي وإعادة الاستيطان.
وفي تصريحات أخرى، تفاخر كاتس بحجم الدمار الذي لحق بالقطاع، واعتبر أن تدمير غزة كان نتيجة سياسة مدروسة، في موقف يعكس الطابع الانتقامي والممنهج للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
الثاني عشر: القوة الدولية وخطط ما بعد الحرب
برز ملف القوة الدولية المقترحة في غزة خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
ففي 10 تموز، أشارت تقارير إلى وجود تعثر كبير في تشكيل القوة، إذ لم تتمكن المبادرة من نشر العدد المطلوب من الجنود مقارنة بالخطة التي كانت تتحدث عن قوة يصل قوامها إلى 20 ألف عنصر.
وفي 15 تموز، أعلن المغرب توقيع اتفاق للمشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» من خلال نشر ضباط ضمن القيادة المشتركة، باعتبار ذلك جزءًا من المرحلة الثانية لخطة أميركية متعلقة بإنهاء الحرب وترتيبات اليوم التالي.
غير أن هذه التحركات تثير أسئلة فلسطينية بشأن طبيعة التفويض الممنوح للقوة، ومدى قدرتها على حماية السكان، وما إذا كانت ستعمل على إنهاء الاحتلال أم إدارة الواقع الذي فرضته الحرب.
الثالث عشر: تحركات أوروبية لدعم التعافي
في 13 تموز، أعلن مانحون أوروبيون استعدادهم لتقديم حزمة تقارب 900 مليون يورو، أي نحو مليار دولار، لدعم جهود التعافي المبكر في قطاع غزة.
كما أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة بقيمة 883.6 مليون يورو، تشمل دعم الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية والمساهمة في برامج التعافي.
لكن حجم الدمار الهائل، واستمرار الاحتلال في فرض القيود وتنفيذ الخروقات، يجعلان أي عملية إعمار معرضة للفشل ما لم تقترن بضمانات سياسية وميدانية تمنع تجدد العدوان وتتيح دخول المعدات والمواد اللازمة.
الرابع عشر: الانتخابات وإعادة بناء النظام السياسي
دخل ملف غزة كذلك في النقاشات الفلسطينية المتعلقة بالانتخابات العامة.
وأكدت لجنة الانتخابات المركزية في 16 تموز أنها تعمل على إعداد خطط واقعية تسمح بإجراء الانتخابات في قطاع غزة والقدس، رغم الظروف الميدانية والسياسية المعقدة.
غير أن إجراء انتخابات حقيقية في غزة يظل مرتبطًا بوقف الاعتداءات، وضمان حرية الحركة والتنظيم السياسي، وإعادة تأهيل المؤسسات والسجلات والمراكز الانتخابية التي تعرض كثير منها للتدمير.
خلاصة
كشف أسبوع 10–16 تموز/يوليو 2026 أن قطاع غزة لا يزال يعيش تحت حرب متعددة الأشكال، حتى في ظل الحديث عن وقف إطلاق النار.
فالقصف والقتل لم يتوقفا، والخروقات تجاوزت الآلاف، بينما تتدهور المنظومة الصحية والبيئية، ويواجه النازحون والمرضى ظروفًا تهدد حياتهم بصورة يومية.
وفي المقابل، تكشف التصريحات الإسرائيلية بشأن البقاء العسكري والاستيطان عن محاولات لتحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي وجغرافي دائم، يقوم على السيطرة على الأرض وتقليص مساحة حياة الفلسطينيين.
أما المبادرات الدولية لإعادة الإعمار ونشر قوات دولية، فتبقى محدودة الأثر ما لم تترافق مع ضغط حقيقي لإنهاء الاحتلال، ووقف الخروقات، وفتح المعابر، وضمان دخول المساعدات ومواد الإعمار، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وبين ركام المنازل، وانهيار المستشفيات، وحرارة الخيام، يواصل الفلسطينيون في غزة التمسك بالحياة، فيما تبقى الحاجة ملحة إلى تحرك دولي يتجاوز بيانات القلق، وينتقل إلى إجراءات فعلية تحمي السكان وتوقف سياسة القتل والتهجير والتجويع.
:








