
غزة، القدس المحتلة — “صوت العاصمة” تتفاقم الأزمة النقدية في قطاع غزة مع استمرار التداعيات الاقتصادية القاسية لحرب الإبادة المستمرة، حيث برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة اقتصادية خانقة تُعرف باسم “الشيكل الخامل” [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، تتفاقم الأزمة النقدية في قطاع غزة مع استمرار التداعيات الاقتصادية لحرب الإبادة، لتبرز ظاهرة ما بات يُعرف باسم الشيكل الخامل،]. وتتمثل هذه الظاهرة في وجود أوراق نقدية تحتفظ بقيمتها الاسمية والرسمية، لكنها تفقد قدرتها تماماً على التداول في الأسواق نتيجة رفض التجار والباعة استقبالها أو تمريرها في المعاملات اليومية [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، وهو النقد الذي يحتفظ بقيمته الرسمية، لكنه يفقد قدرته على التداول نتيجة رفض استقباله أو صعوبة تمريره في المعاملات اليومية.].
وفي ظل تراجع الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تحول النقد المتراكم إلى عبء إضافي على كاهل المواطنين، مما أدى إلى نشوء سوق موازية تلتهم القيمة الشرائية عبر اقتطاعات مالية متفاوتة [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، وبينما يعاني الغزيون من تراجع حاد في الدخل وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، تتحول كميات كبيرة من النقد المتراكم في أيدي المواطنين والتجار إلى عبء اقتصادي يضاف إلى سلسلة الأزمات التي تضرب القطاع.، وأدى ذلك إلى ظهور سوق موازية تتعامل مع هذه الأموال باقتطاعات متفاوتة،].
وفيما يلي رصد شامل لمعالم هذه الأزمة من واقع شهادات الميدان والتحليلات الاقتصادية:
📉 شهادات حية: خسائر تصل إلى 60% وعملات حبيسة المنازل
أجبرت الأزمة النقدية المواطنين والتجار في غزة على مواجهة خيارات مريرة؛ فإما الاحتفاظ بأموال لا يمكن الاستفادة منها، وإما القبول بتصريفها بخسائر فادحة تقلص قدرتهم الشرائية المعدومة أساساً [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، الأمر الذي جعل كثيراً من الغزيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاحتفاظ بأموالهم من دون القدرة على استخدامها، وإما تصريفها بخسائر كبيرة تقلص من قدرتهم الشرائية المحدودة أصلاً.]:
-
أزمة فئة الـ 10 شواكل: يروي المواطن سامح زقوت لـ “العربي الجديد” أنه يمتلك مبلغاً بقيمة 1320 شيكلاً (حيث الدولار يعادل 2.95 شيكل حالياً) كُلها من فئة “العشرة شواكل”، تراكمت لديه منذ أشهر دون القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية بها [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، وفي هذا الصدد، يقول الفلسطيني سامح زقوت إنه يمتلك مبلغاً قدره 1320 شيكلاً (الدولار= 2.95 شيكل) من فئة العشرة شواكل، إلا أن هذه الأموال بقيت متراكمة لديه منذ أشهر من دون أن يتمكن من استخدامها في شراء احتياجاته الأساسية أو تصريفها في الأسواق المحلية.]. ويوضح زقوت أن الأزمة بدأت في الشهور الأولى للحرب بعدما فقد الباعة الثقة في هذه الفئة النقدية تدريجياً وباتت أمواله حبيسة المنزل [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، ويوضح زقوت لـ”العربي الجديد” أن أزمة هذه الفئة النقدية بدأت في الأشهر الأولى من الحرب، حيث فقدت الثقة بها تدريجياً بين الباعة والتجار، وأصبح معظمهم يرفض استقبالها بالكامل، الأمر الذي جعل الأموال التي يمتلكها حبيسة المنزل رغم حاجته الماسة إليها]. وحول محاولات التصريف، أشار إلى أن أحد الباعة اشترط عليه شراء بهارات بأسعار مرتفعة جداً مقابل قبول فئة العشرة شواكل، لتصبح قيمتها الفعلية نحو 4 شواكل فقط، ما يعني خسارة مباشرة تصل إلى 60%، وهو ما رفضه زقوت معتبراً إياه “سرقة مال بطريقة أخرى” [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، ويضيف: “قبل أسابيع وجدت بائعاً يقبل فئة العشرة شواكل، لكنه اشترط عليّ شراء توابل وبهارات بأسعار مرتفعة جداً، بحيث تصبح القيمة الفعلية للعشرة شواكل نحو أربعة شواكل فقط، أي بخسارة تصل إلى 60% من قيمة المبلغ”.، ويلفت إلى أنه رفض هذا العرض لأنه يعني سرقة المال بطريقة أو بأخرى،].
-
معضلة النقد التالف لدى التجار: لا تقتصر الأزمة على المشترين؛ إذ يوضح محمود أبو غوري، بائع مكسرات في سوق النصيرات وسط القطاع، أنه جمع قبل ثلاثة أشهر نحو 8600 شيكل من الأوراق النقدية القديمة والتالفة من فئتي 20 و50 شيكلاً بناءً على وعود بتصريفها [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، ويقول بائع المكسرات في سوق النصيرات وسط القطاع، محمود أبو غوري، إنه جمع قبل ثلاثة أشهر نحو 8600 شيكل من الأوراق النقدية القديمة والتالفة من فئتي 20 و50 شيكلاً من عمليات البيع، موضحاً أنه وافق على استقبال هذه العملات بناءً على وعود تلقاها من أحد التجار بإمكانية قبولها وتصريفها،]. غير أنه فوجئ لاحقاً باشتراط التاجر عليه شراء بضائع بأسعار أعلى من قيمتها السوقية بحجة صعوبة التدوير، وهو ما يهدده بخسارة مباشرة تصل إلى 20% في نشاطه التجاري [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، إلا أنه فوجئ لاحقاً بتغيير شروط التعامل، إذ اشترط التاجر شراء بضائع بأسعار أعلى من قيمتها السوقية بحجة صعوبة تداول هذه الأموال والتخلص منها.، ويشير أبو غوري لـ”العربي الجديد” إلى أن قبول تلك الشروط سيؤدي إلى خسائر مباشرة في نشاطه التجاري، مضيفاً: “إذا اشتريت بالسعر الذي يطرحه التاجر فسأخسر قرابة 20% مقارنة بالأسعار المتداولة في السوق،].
📊 لغة الأرقام: اختفاء 1.2 مليار شيكل وتلف 65% من العملات المتداولة
تكشف البيانات والتقديرات الاقتصادية عن عمق الاختلال البنيوي والنقدي في قطاع غزة جراء تدمير البنية التحتية المصرفية:
-
حجم السيولة المفقودة: تشير معطيات سلطة النقد الفلسطينية لعام 2026 إلى فقدان نحو 1.2 مليار شيكل من النظام المصرفي داخل قطاع غزة نتيجة ظروف الحرب وتدمير البنوك، علماً بأن حجم الشيكل المتداول إجمالاً في الأراضي الفلسطينية قُدّر بنحو 57 مليار شيكل عام 2024 [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، لا تتوفر تقديرات رسمية لحجم الشيكل المتداول في قطاع غزة بشكل منفصل، إلا أن سلطة النقد الفلسطينية قدرت حجم الشيكل المتداول في الأراضي الفلسطينية بنحو 57 مليار شيكل خلال عام 2024، فيما أشارت في عام 2026 إلى فقدان نحو 1.2 مليار شيكل من النظام المصرفي في قطاع غزة نتيجة الحرب وتدمير البنية المصرفية.].
-
نسبة الأوراق التالفة: في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال السيولة النقدية الجديدة أو استبدال العملات المتهالكة، تشير تقديرات خبراء واقتصاديين إلى أن نسبة الأوراق النقدية التالفة تتجاوز 65% من إجمالي الأموال المتداولة حالياً في الأسواق الغزية، وهي النسبة المرشحة للارتفاع الطردي مع مرور الوقت [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، غير أن الأزمة النقدية تعمقت بصورة ملحوظة مع استمرار الحرب ومنع إدخال السيولة النقدية الجديدة أو استبدال الأوراق التالفة، ما أدى إلى تزايد كميات النقد المتهالك المتداول في الأسواق. وتشير تقديرات عدد من الاقتصاديين إلى أن نسبة الأوراق النقدية التالفة، نتيجة منع إدخال سيولة جديدة وتوقف عمليات الاستبدال، تتجاوز 65% من إجمالي الأموال المتداولة في القطاع، مع احتمالية ارتفاع هذه النسبة مع مرور الوقت،].
⚖️ التحليل الاقتصادي: غياب الثقة وهيمنة السوق السوداء
يرى المختص في الشأن الاقتصادي، محمد الدريملي، أن أزمة “الشيكل الخامل” ليست عيباً بذات العملة، بل هي انعكاس مباشر لفقدان الثقة بقدرة السوق على إعادة تدوير النقد بصورة طبيعية في الدورة الاقتصادية [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، من جهته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي، أن ظاهرة “الشيكل الخامل” تمثل انعكاساً مباشراً لاختلالات عميقة أصابت المنظومة النقدية خلال الحرب، موضحاً أن المشكلة لا ترتبط بالعملة ذاتها بقدر ارتباطها بفقدان الثقة بقدرة السوق على إعادة تدويرها واستيعابها بصورة طبيعية.].
ويعزو الدريملي هذا الخلل إلى غياب التدخل الفاعل لمعالجة الأزمة، وحالة الجمود، إلى جانب تحكم “السوق السوداء” المنفلت بآليات الصرف، مما حوّل العملة النقدية من وسيط تبادل إلى “سلعة” تُباع وتُشترى بأقل من قيمتها، محذراً من أن هذا التطور يعد من أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تضرب أي سوق صرف [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، ويقول الدريملي لـ”العربي الجديد” إن “الشيكل الخامل” ينبع من خلل في منظومة الصرف بسبب تراجع الثقة بين الناس والتجار بهذه العملة، إن نتيجة غياب التدخل الفاعل لمعالجة الأزمة، أو بسبب حالة الجمود الحالية، أو بفعل تحكم السوق السوداء بجزء كبير من المنظومة النقدية وآليات الصرف داخل القطاع.، ويحذر من أن استمرار هذه الظاهرة يزيد الأعباء على المواطنين والتجار معاً، ويخلق سوقاً موازية لتبادل النقد بأقل من قيمته الحقيقية، بحيث تتحول العملة نفسها إلى سلعة تُباع وتُشترى، وهو من أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن يشهدها أي سوق صرف.].
متطلبات الحل السريع:
أكد المختص الاقتصادي أن تفكيك الأزمة يتطلب خطوات عاجلة وجدية تتمثل في:
-
استعادة سلطة النقد الفلسطينية لدورها ومكانتها اللذين تراجعا بشكل ملحوظ خلال الحرب [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، ويؤكد أن الحل يكمن في استعادة سلطة النقد الفلسطينية دورها ومكانتها اللذين تراجعا خلال الحرب،].
-
اتخاذ تدابير صارمة لكسر هيمنة السوق السوداء وإنهاء التحكم غير المنظم بسوق الصرف [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، واتخاذ خطوات عملية لكسر هيمنة السوق السوداء، ووقف التحكم غير المنظم بسوق الصرف،].
-
ممارسة الضغط الدولي على الجانب الإسرائيلي لالتزام الاتفاقيات الاقتصادية، والمسارعة بإدخال سيولة نقدية جديدة واستبدال الأوراق التالفة لإعادة الثقة في الدورة الاقتصادية [cite: الشيكل الخامل في غزة… أموال متراكمة وسوق موازية تلتهم قيمتها، والضغط على الجانب الإسرائيلي لالتزام الاتفاقيات الاقتصادية وإدخال السيولة النقدية واستبدال الأوراق التالفة، بما يضمن إعادة الثقة بالنقد المتداول وإعادته إلى الدورة الاقتصادية الطبيعية.].



