صوت العاصمة لم تعد الخلافات بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والإدارة الأميركية مجرد تباينات عابرة داخل الغرف المغلقة، بل تحولت إلى أزمة سياسية متكررة تمتد جذورها إلى ثلاثة عقود، وتتزامن اليوم مع تغير متسارع في نظرة المجتمع الأميركي إلى إسرائيل.
فعلى الرغم من استمرار التحالف العسكري والسياسي بين واشنطن وتل أبيب، دخل نتنياهو في مواجهات مع أربع إدارات أميركية، بدءًا من بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما، وصولًا إلى دونالد ترامب، بسبب ملفات التسوية الفلسطينية والاستيطان والنووي الإيراني والحروب في غزة ولبنان.
فتور واضح بين ترامب ونتنياهو
كشفت التطورات الأخيرة عن تباينات متزايدة بين ترامب ونتنياهو، خاصة بشأن الحرب على غزة، والتعامل مع إيران، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
وبرزت الأزمة بصورة أوضح بعد إلغاء نتنياهو زيارة كان يسعى خلالها للقاء ترامب في الولايات المتحدة، وسط تقارير تحدثت عن عدم تلقيه موافقة من البيت الأبيض على عقد اللقاء.
ورغم تقديم أسباب مرتبطة بتغيير موعد مراسم تشييع السيناتور ليندسي غراهام، فإن إلغاء الزيارة عكس، وفق تقديرات سياسية، حجم الفتور الذي بات يطبع العلاقة بين الجانبين.
60% من الأميركيين ينظرون إلى إسرائيل بسلبية
لا تقتصر الأزمة على العلاقة بين الزعماء؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي تراجعًا لافتًا في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي.
وبحسب استطلاع نُسب إلى مركز «بيو ريسيرتش»، فإن 60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما وصف 28% موقفهم بأنه سلبي للغاية.
كما ارتفعت النظرة السلبية من 43% عام 2022 إلى 53% عام 2025، قبل أن تواصل الصعود، بينما أصبحت أكثر انتشارًا بين الفئات العمرية من 18 إلى 49 عامًا داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وأظهر الاستطلاع أن 59% من الأميركيين لا يثقون، أو يثقون بدرجة محدودة، في قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات صائبة في القضايا الدولية.
غزة تغيّر المزاج الأميركي
يرى باحثون أن الحرب على غزة وما رافقها من قتل ودمار ومعاناة إنسانية أسهمت في تعميق التحول الشعبي الأميركي ضد إسرائيل، وخاصة بين الأجيال الشابة التي لا تحمل التصورات التاريخية نفسها التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
ورغم هذا التغير، لا تزال القيادات التقليدية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي متمسكة بدرجة كبيرة بالدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، ولم يتحول التراجع الشعبي حتى الآن إلى تغيير شامل في سياسة واشنطن.
كلينتون ونتنياهو.. أزمة أوسلو والاستيطان
بدأ تاريخ المواجهات السياسية مع انتخاب نتنياهو رئيسًا لحكومة الاحتلال عام 1996، حين اصطدم بإدارة بيل كلينتون بشأن اتفاقيات أوسلو والانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
اتبعت حكومة نتنياهو سياسة إبطاء تنفيذ الاتفاقيات، وواصلت التوسع الاستيطاني، بما في ذلك إقامة مستوطنة «هار حوما» على جبل أبو غنيم في القدس المحتلة، ما أثار غضب واشنطن.
وفي قمة «واي ريفر» عام 1998، وقّع نتنياهو اتفاقًا جديدًا، لكنه واجه لاحقًا اتهامات أميركية بالمماطلة في تنفيذ الانسحابات المتفق عليها، لتدخل العلاقة مع كلينتون في أزمة ثقة عميقة.
بوش و«خريطة الطريق»
استمرت الخلافات في عهد جورج بوش الابن، عندما طرحت واشنطن «خريطة الطريق» وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية.
عارض نتنياهو المشروع، وكان حينها وزيرًا للمالية، كما رفض خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة عام 2005، واستقال من حكومة أريئيل شارون احتجاجًا عليها، محذرًا من أن الانسحاب سيقوي حركة حماس.
أوباما.. المواجهة الأكبر
شهد عهد باراك أوباما المواجهة الأشد بين نتنياهو والبيت الأبيض، لا سيما بشأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.
ورفض نتنياهو الاتفاق بصورة قاطعة، ثم ألقى خطابًا أمام الكونغرس بدعوة جمهورية ومن دون تنسيق مع أوباما، مهاجمًا السياسة الأميركية تجاه إيران في تحدٍ علني للبيت الأبيض.
كما اصطدم الطرفان بشأن الاستيطان والملف الفلسطيني، قبل أن تمتنع واشنطن في نهاية ولاية أوباما عن استخدام الفيتو ضد قرار لمجلس الأمن يدين الاستيطان، في واحدة من أبرز لحظات التوتر بين الجانبين.
ترامب ونتنياهو.. من التحالف الوثيق إلى الخلاف العلني
رغم سنوات التقارب، عادت الخلافات بين ترامب ونتنياهو بسبب إدارة الحروب الإقليمية.
سعت واشنطن إلى احتواء التصعيد مع إيران وفتح مسار تفاوضي، بينما تمسك نتنياهو بتفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية وفرض قيود واسعة على برنامج الصواريخ.
وفي لبنان، رأت إدارة ترامب أن الغارات الإسرائيلية على بيروت تهدد التفاهمات الإقليمية، فيما أصر نتنياهو على مواصلة العمليات العسكرية ضد حزب الله.
غارات بيروت تفجّر الأزمة
أفادت تقارير إعلامية بأن ترامب خاطب نتنياهو بلهجة حادة عقب الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، واعتبر أن تحركاته تعرض الجهود الدبلوماسية الأميركية للخطر.
وأعلن ترامب لاحقًا وقف التحرك نحو تنفيذ عملية برية في بيروت، لكنه عاد وانتقد استمرار الضربات الإسرائيلية ووصف بعضها بأنها مبالغ فيها.
وأظهرت هذه التطورات أن واشنطن وتل أبيب لا تتفقان دائمًا على إدارة الحرب، حتى عندما تتشاركان الأهداف الاستراتيجية العامة.
تحالف ثابت.. لكن قواعده الشعبية تهتز
رغم كل الخلافات، واصلت الولايات المتحدة تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي لدولة الاحتلال، ولم تصل الأزمات المتكررة إلى حد كسر التحالف بين الطرفين.
لكن المختلف هذه المرة هو اتساع الفجوة بين السياسة الرسمية الأميركية والمزاج الشعبي، خصوصًا بين الشباب، مع تزايد رفض الحرب على غزة والانتقادات الموجهة إلى نتنياهو وحكومته.
وقد لا يؤدي هذا التحول إلى تغيير فوري في الدعم الأميركي، لكنه يضع مستقبل العلاقة أمام مرحلة جديدة، تصبح فيها كلفة الانحياز المطلق لإسرائيل أكبر داخل المجتمع والسياسة الأميركيين.
#صوت_العاصمة_Sawt_AL_Asema #نتنياهو #واشنطن #الولايات_المتحدة #غزة #إيران #لبنان #الاحتلال #الرأي_العام_الأميركي








