
صوت العاصمة :في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الاستيطان، وتتكرر اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، وتُراق فيه الدماء الفلسطينية بشكل يومي، تعود السلطة الفلسطينية للحديث عن الانتخابات وكأنها تملك وصفة سحرية لحل الأزمات المتراكمة التي صنعتها سنوات طويلة من التفرد بالقرار والوعود التي لم يتحقق منها شيء.
فالمواطن الفلسطيني لم يعد يبحث عن شعارات جديدة أو خطابات مكررة، بل يبحث عن إجابات حقيقية: أين كانت كل هذه الدعوات للإصلاح والتجديد خلال السنوات الماضية؟ ولماذا تُطرح الانتخابات اليوم بينما تتراجع القضية الوطنية أمام أخطر مشروع استيطاني تشهده الأراضي الفلسطينية منذ عقود؟
لقد اعتاد الفلسطينيون على سماع قرارات توصف بالتاريخية والمصيرية، لكنها غالباً ما تبقى حبراً على ورق. قرارات بوقف التنسيق، وأخرى بإعادة النظر في العلاقات مع الاحتلال، وثالثة بإعادة بناء المؤسسات الوطنية، لكن النتيجة على الأرض بقيت كما هي: توسع استيطاني، واقتحامات يومية، وتآكل للثقة الشعبية بالقيادة والسلطة ومؤسساتها.
المشكلة ليست في الانتخابات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى وسيلة لتجميل واقع سياسي مأزوم بدلاً من أن تكون جزءاً من مراجعة وطنية شاملة. فلا يمكن الحديث عن تجديد الشرعيات فيما تتعمق الفجوة بين الشارع والقيادة، ولا يمكن إقناع الناس بجدوى المشاركة دون الاعتراف أولاً بحجم الفشل السياسي والإداري الذي أوصل الحالة الفلسطينية إلى هذا المستوى من التراجع.
إن أخطر ما يواجه الفلسطيني اليوم ليس فقط تغول الاحتلال ومستوطنيه، بل أيضاً استمرار نهج إدارة الأزمات بدلاً من مواجهتها، وإطلاق الوعود بدلاً من تنفيذها، والحديث عن الإصلاح دون اتخاذ خطوات حقيقية نحو الشراكة الوطنية والمحاسبة والشفافية.
ومع ذلك، فإن ترك الساحة فارغة ليس حلاً. فإذا فُرضت الانتخابات وأُجريت، فإن المشاركة الواعية قد تتحول إلى رسالة احتجاج شعبية في وجه الفشل والتفرد والقرارات التي بقيت لسنوات مجرد عناوين إعلامية. فالصندوق يجب أن يكون وسيلة لمحاسبة من أخفقوا، لا أداة لإعادة إنتاج المشهد ذاته بأسماء وشعارات مختلفة.
لقد سئم الفلسطيني من الخطابات، ومن القرارات التي تُعلن ولا تُنفذ، ومن الوعود التي تتكرر مع كل استحقاق سياسي.
وما يحتاجه اليوم ليس انتخابات تُستخدم كستار دخاني، بل قيادة تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والقدرة على مواجهة الاحتلال، والإرادة الحقيقية للانحياز إلى الناس لا إلى المصالح الضيقة.
فالوطن لا يُنقذ بالبيانات والوعود، بل بالفعل والمواجهة والمحاسبة، وكل ما عدا ذلك لن يكون سوى محاولة جديدة لشراء الوقت على حساب معاناة شعب يدفع الثمن كل يوم.



