
تتفاقم الحياةُ يومًا بعد يوم، والحربُ لم تطل أمدَها فحسب، بل عطّلت نبضَ العيش اليوميّ، وضربت في الصميمِ فئةً لا تملك من الرزق سوى كدِّ يدها. عمّالُ الزراعةِ والبناءِ، وسواهم من أصحابِ الأيدي التي لا تعرفُ الإضرابَ ولا تتلقى راتبًا ثابتًا، هم وحدهم من يقفون على حافةِ الخطر، بلا شبكةِ أمانٍ سياسيةٍ أو إنسانيةٍ، وبلا دخلٍ سوى ما تجودُ به الصدفةُ من فرصةِ عمل. إنهم لا يختارون بين الراحةِ والموت، بل بين الجوعِ والمخاطرةِ بالروح.
وبعد أكثرَ من ثلاثةِ أشهرٍ على الجولةِ الثانيةِ من الحرب، لا يزالُ الدعمُ قاصرًا على سلالِ المؤنِ وعبواتِ التنظيف؛ مساعدةٌ تُخفّفُ الوجعَ يومًا، لكنها لا تلمسُ جذرَ المأساة. فهؤلاء يعتمدون على عملِهم اليوميّ اعتمادَ الشجرةِ على جذورها، وإذا تعطلت عجلةُ الإنتاجِ، تعذّرَ تأمينُ الدواءِ والكسوةِ والخبز. لذا يراهنون على غدٍ مجهولٍ، يركبونَ طرقَ الموتِ ليؤمنوا قوتَ اليوم. والحياةُ عندهم “يومٌ بيوم”؛ إن عملوا أمّنوا لقمةَ العيش، وإن تقاعسوا اشتدّ الخناق. وكم من دمعةٍ تتساقطُ على وجوهِ الآباء حين يمدُّ الأيدي صغارُهم طالبينَ مصروفَ المدرسةِ أسوةً بزملائهم، وكم من شيخٍ يُرهِقُ عظامَه في دفعِ عربةِ الخضارِ بين أزقةٍ خلت من أهلها، يصرخُ ببضاعتِه فلا يردُّ عليه سوى صدى الفراغ، ويقولُ له رهطٌ من المغادرين: “على من تُنادي يا رجل؟ الناسُ رحلت، ولا أحدَ باقٍ يشتري!”.
وفي بيوتِ “وكلاءِ العمل”، تتكرّرُ المأساةُ كلَّ مساء؛ يجتمعُ العمّالُ يحثّون صاحبَهم على تأمينِ ورشةٍ جديدة، رغم تحذيراته من خطرِ القصف. فيقولون له: “اتكلْ على الله”. ويصرون، لأن الحياةَ بعد هذا الطولِ من الحربِ صارت لا تُطاق. “عندما يطلبُ ابنُك مصروفًا كباقي الأطفال، تنهمرُ الدمعةُ”، يقولون. “والاستشهادُ خيرٌ من أن نبقى عاجزينَ عن فعلِ شيءٍ، اتكلْ على الله”. ليست شجاعةً مكتسبةً، بل ضرورةٌ مفروضةٌ، وصمودٌ يولدُ من رحمِ اليأس.
وفي صباحِ يومِ السبتِ، انطلقت قافلةٌ من مخيمِ البرجِ نحو بلدةِ البازورية، على بعدِ خمسةِ كيلومتراتٍ شرقًا. وفي عمقِ الوادي، وسطَ بساتينِ الحمضياتِ التي كانت بالأمسِ مصدرَ رزقٍ، فاجأتهم طائراتُ المسيرةِ بثلاثِ صواريخَ انقضّت على الوادي كعاصفةٍ من نار. لم يتركِ القصفُ سوى شهداءٍ وجرحى؛ فاستُشهدَ ماهرُ سليمان، أبٌ لثلاثةِ أطفالٍ تركهم يتامى، ونُقلَ أربعةٌ آخرون إلى مستشفياتِ صورِ جرحاهم بالغةٌ، وحالتُهم لا تزالُ مبهمةً بين الحياةِ والموت.
هؤلاء لا يبحثون عن بطولاتٍ، ولا يطلبون تعويضاتٍ، كلُّ ما يريدونَه هو أن يعملوا كي يعيشوا. لكن الحربَ حولتِ الرزقَ إلى فخٍ، والعملَ إلى مغامرةٍ قد تكون الأخيرة. وحين تُصبحُ القنابلُ حارسًا للبساتين، والطرقاتُ ساحاتِ موتٍ، يظلُّ السؤالُ مُعلقًا في الهواء: إلى متى يُتركُ هؤلاءُ ليختاروا بين جوعِ اليومِ وقصفِ الغد؟ ربما لا يجيبُ أحدٌ، لكن صوتَ ماهرٍ وأبناءِ جيله سيظلُّ يترددُ في وادي البازورية، وفي كلِّ يدٍ تمتدُ للعملِ رغمَ الخوفِ، وفي كلِّ دمعةٍ تتساقطُ على وجهِ أبٍ عاجزٍ، وفي كلِّ عربةِ خضارٍ تدفعها أقدامٌ متعبةٌ نحو لقمةٍ قد لا تأتي.
اخوكم ابو وسيم



