الرئيسيةاهم الأخبارتقارير ودراسات

 “سياسة مدروسة لخنق الجسد الفلسطيني”.. القطاع الصحي في الضفة والقدس على حافة الانهيار الشامل

– “موقع صوت العاصمة الإخباري” | الأحد، 31 مايو 2026

يواجه القطاع الصحي الفلسطيني في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة واحدة من أعقد وأخطر أزماته البنيوية والمالية على الإطلاق، وسط تحذيرات من انهيار شامل وشيك يهدد حياة آلاف المرضى. وتتقاطع في هذه الأزمة الخانقة تداعيات احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، مع قيود الحصار العسكري الإسرائيلي المشدد، وتراجع المساعدات الدولية، مما خلق واقعاً مأساوياً يجبر المرضى على تحمل كلفة علاجهم، ويضع المشافي التاريخية أمام عجز مصرفي غير مسبوق.

نزيف الإحالات الطبية وديون تنهك قلاع القدس والضفة

تعتمد وزارة الصحة الفلسطينية بشكل رئيسي على شراء الخدمة الطبية من المستشفيات الأهلية والخاصة عبر نظام “الإحالات الطبية الخارجية”. ووفقاً للأرقام الرسمية الموثقة:

  • حجم الإحالات: سُجلت خلال عام 2024 نحو 96 ألف إحالة علاجية خارجية.

  • الفاتورة المالية: بلغت التكلفة الإجمالية لهذه الإحالات نحو 960 مليون شيكل، وهي مبالغ تراكمت كديون ثقيلة على كاهل السلطة الفلسطينية لصالح هذه المؤسسات.

  • المستشفيات المتضررة: طالت الأزمة الائتمانية كبرى القلاع الطبية الفلسطينية، وفي مقدمتها: مستشفى النجاح الجامعي (نابلس)، المستشفى الاستشاري (رام الله)، ومستشفيات القدس المحتلة: المقاصد، وأوغوستا فيكتوريا (المطلع).

وأدى هذا التراكم المالي إلى عجز مصرفي حاد للمشافي، مما اضطرها لتقليص رواتب موظفيها وكوادرها الطبية بشكل مستمر، فضلاً عن حرمان مرضى قطاع غزة من الوصول لهذه المستشفيات بعد أن كانوا يمثلون جزءاً حيوياً من منظومة العلاج في الضفة والقدس حتى تشرين الأول/أكتوبر 2023.

المرضى يدفعون الثمن: جراحة بلا أدوات وقروض لشراء الدواء

انعكست الأزمة المالية مباشرة على كاهل المواطن؛ إذ بات المرضى مطالبين في كثير من الأحيان بدفع ثمن المواد الطبية والمستلزمات الأساسية المستخدمة في العمليات الجراحية من جيوبهم الخاصة.

ونقل أطباء من داخل المشافي شهادات مؤلمة لـ “صوت العاصمة”، تؤكد أن بعض المرضى يلجأون إلى الاقتراض أو الاعتماد على تبرعات ومساعدات الأصدقاء لتأمين أدويتهم الأساسية والمنقذة للحياة، في ظل إغلاق واسع للعيادات الحكومية وتوقف توريد الأدوية بانتظام.

ضغط متفجر على أقسام الطوارئ واعتداءات على الطواقم

مع الشلل الذي أصاب العيادات الحكومية والرعاية الأولية، تدفق آلاف المواطنين صوب أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية والمؤسسات غير الحكومية، مما رفع الضغط التشغيلي إلى مستويات قياسية.

وأدى طول فترات الانتظار، ونقص المستهلكات الطبية، إلى تصاعد حدة التوترات الاحتكاكية اليومية بين المرضى وذويهم من جهة، والطواقم الطبية من جهة أخرى، حيث سُجلت عدة حوادث اعتداء مؤسفة على الأطباء والممرضين نتيجة حالة الإحباط العام.

البرغوثي: سياسة مدروسة ومخطط لها بعناية

وفي تحليل لأبعاد الأزمة، يرى الدكتور مصطفى البرغوثي، مدير جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، أن الواقع الحالي ليس نتاج أزمة مالية عابرة، بل هو “سياسة إسرائيلية مدروسة ومخطط لها بعناية” تدار عبر مسارين خبيثين:

  1. حرب المؤسسات الدولية: المساعي الإسرائيلية الحثيثة لإنهاء عمل وكالة “الأونروا”، وتقويض منظمات دولية كـ “أطباء بلا حدود”، وإغلاق مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، مما أدى لتقليص الخدمات الصحية الحيوية.

  2. شبح الحواجز العسكرية (نظام ظهر إلى ظهر): انتشار أكثر من 1000 حاجز وبوابة عسكرية تقطع أوصال الضفة، مما يمنع الطواقم الإسعافية والمرضى من الوصول للمستشفيات. ويضطر المرضى لاستخدام أسلوب “النقل من ظهر إلى ظهر” (Back-to-Back) بنقل المريض المشلول أو المصاب من سيارة إسعاف إلى أخرى سيراً على الأقدام عند الحواجز المغلقة، مما يضاعف الأعباء المالية ويهدر الوقت الذهبي لإنقاذ الأرواح.

شهادة من الميدان: يروي أحد الأطباء أن طبيباً اختصاصياً عجز عن الوصول لإجراء عملية جراحية طارئة لإنقاذ حياة مريض في الخليل، بسبب اقتحام جيش الاحتلال لقريته وإغلاق مداخلها بالكامل. فيما تروي أم لطفل مصاب بالشلل الدماغي أنها توقفت عن إرسال طفلها لمدرسته وعلاجه في رام الله جراء إغلاق الطرق وارتفاع كلفة النقل، وفقدان زوجها لعمله داخل الخط الأخضر، مؤكدة: “كنت أستطيع شراء الأدوية لابني.. لكنني منذ أسبوعين عاجزة تماماً”.

خلفية اقتصادية: خسائر بالمليارات ومساعدات خجولة

يرى المتابعون للشأن الاقتصادي أن المنظومة الطبية تدفع ضريبة ضعف هيكلي طويل الأمد؛ إذ أشار تقرير قديم للبنك الدولي إلى أن السيطرة الإسرائيلية على مناطق (ج) تمنع استغلال الإمكانات الاقتصادية، متسببة بخسائر سنوية بلغت نحو 3.4 مليار دولار (وفق أسعار عام 2011).

وأمام هذا التدهور التاريخي، تبدو المساعدات الدولية خجولة ومحدودة؛ ورغم تشكيل وزارة الصحة طاقم طوارئ برئاسة مديرها العام أيمن الشيخ لمتابعة الأزمة، ورغم تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 23 مليون يورو لمستشفيات الضفة ومثلها لشركات الأدوية لدعم مستشفيات كالـ “مطلع”، إلا أن المستشار فتحي أبو مغلي يؤكد أن هذه المبالغ تبقى حلولاً موضعية لا تغطي حجم الديون المتراكمة التي أكلت الموازنات التطويرية والإنفاق الاجتماعي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى