“صوت العاصمة” فضحت وثائق داخلية مسربة لشركة “ميتا” (Meta) الأمريكية، نشرتها صحيفة “ذا إنترسبت” (The Intercept) الاستقصائية، تصاعداً حاداً في حجم النفوذ والضغط الذي تمارسه حكومة الاحتلال الإسرائيلي على منصتي “فيسبوك” و”إنستغرام” لتوجيه سياسات الرقابة، وإزالة المحتوى المناهض لسياساتها، وفرض قيود مشددة على الخطاب السياسي المتعلق بالصراع الإقليمي.
وأظهرت السجلات الرسمية المسربة أن سلطات الاحتلال قدمت التماسات وطلبات مباشرة لشركة “ميتا” لحذف منشورات وحسابات تعارض دولة الاحتلال، أو توثق عبر الصور والفيديوهات آثار ضربات صاروخية، إلى جانب قمع الآراء التي عبرت عن الغضب إثر اقتحام وزير الأمن القومي المتطرف “إيتمار بن غفير” للمسجد الأقصى المبارك مؤخراً.
وفي قراءة تحليلية للمعطيات التي كشفها التقرير، تتبين ملامح التواطؤ والرقابة الرقمية عبر المحاور الحيوية الآتية:
-
قنوات خلفية ونفوذ مستشارين: أشارت الصحيفة إلى أن “ميتا” منحت تل أبيب صلاحيات وصول استثنائية لفرق إدارة المحتوى؛ حيث تلعب “جوردانا كاتلر”، المساعدة السابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والموظفة الحالية في ميتا، دور حلقة الوصل المباشرة لتمرير طلبات الحذف، وهو امتياز دبلوماسي تفتقر إليه الغالبية العظمى من دول العالم.
-
إزدواجية المعايير والرقابة المفرطة: تستغل إسرائيل تصنيف ميتا لبعض الكيانات الشرق أوسطية والإسلامية ضمن قائمة “المنظمات الخطرة” لحظر الخطاب السياسي المتعلق بها، في حين تغيب أي قيود مماثلة على المنشورات الداعمة للجيش الإسرائيلي أو الأمريكي. وتتقاطع هذه البيانات مع تقارير سابقة لمجلس الرقابة الداخلي (2022-2023) أكدت تعرض المحتوى العربي لـ “رقابة مفرطة وحذف عشوائي للأصوات الفلسطينية”.
-
معدلات استجابة قياسية: كشفت الوثائق أن مكتب المدعي العام الإسرائيلي لا يستند في طلباته دائماً إلى انتهاك القوانين المحلية، بل يطالب “ميتا” بتطبيق قواعدها بأسلوب موجه؛ حيث بلغت نسبة استجابة الشركة للطلبات الإسرائيلية 92% عام 2023، لترتفع وتصل إلى 94% وفقاً لتقارير تخصصية صدرت لاحقاً، مما يعكس إذعاناً شبه كامل للإملاءات الأمنية الإسرائيلية.
-
تحذيرات من انحياز النقاش العام: من جهتها، حذرت “إيفلين دوك”، أستاذة القانون وباحثة حرية التعبير بجامعة ستانفورد، من خطورة هذه “العمليات المبهمة”، مؤكدة أن رغبة الحكومات في قمع الخطاب المنتقد لمجهوداتها الحربية أمر قديم، ولكن عندما تتحالف منصات التكنولوجيا القائمة في كاليفورنيا مع الحكومات القوية، فإن ذلك يقضي على مبدأ الحياد ويخلق “نقاشاً عاماً منقوصاً ومنحازاً جيوسياسياً”.
ورغم رفض “ميتا” -حتى الآن- لضغوط إسرائيلية تهدف إلى فرض قاعدة عامة تحظر نشر صور أضرار الحروب داخل دولة الاحتلال (على غرار الرقابة العسكرية المفروضة على وسائل الإعلام العبرية)، إلا أن الوثائق تثبت استخدام إسرائيل لذات الصياغات الرقابية التي وظفتها سابقاً لخنق المحتوى الفلسطيني خلال حربها على قطاع غزة، مستفيدة من التماهي التجاري والسياسي للمنصات الأمريكية.








