
“وكالة صوت العاصمة الإخبارية” | الثلاثاء، 26 مايو 2026
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية مقالاً تحليلياً بارزاً للمعلق السياسي الشهير جدعون رتشمان، أكد فيه أن طهران نجحت في التفوق على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إستراتيجية “فن الصفقات” التي طالما تفاخر بإتقانها، مستشهداً بكتابه الشهير الصادر عام 1987 والذي ينص على أن “أسوأ ما يمكن فعله في أي صفقة هو إظهار اليأس لإتمامها، لأن ذلك يمنح الطرف الآخر فرصة لاستغلالك”.
ورأى الكاتب أن ترامب وقع في الفخ ذاته الذي حذر منه، لافتاً إلى منشور الرئيس الأمريكي عبر منصة “تروث سوشيال” والذي هدد فيه طهران بعبارات هجومية قائلاً: “افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم”. واعتبر رتشمان أن هذا التهديد عكس حالة من “اليأس المكتوم” بعدما تبين أن واشنطن غير قادرة على تنفيذ وعيدها العسكري بشن حرب شاملة.
معادلة الاتفاق الناشئ: فتح المضيق مقابل الأموال
ووفقاً للتحليل، فإن الحقيقة المرة في المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب هي أن طهران هي من تملك النفوذ الأقوى؛ نظراً لأن إغلاقها لمضيق هرمز فرض خنقاً حقيقياً على الاقتصاد العالمي ورفع أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة، مما تسبب في تراجع حاد لشعبية ترامب داخلياً.
وأبرزت الصحيفة ملامح التفاهمات الأولية المقترحة لحل الأزمة:
-
من الجانب الإيراني: الموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون فرض أي رسوم عبور، مع تعهد فضفاض بتقييد البرنامج النووي، على أن تُترك التفاصيل الفنية لمفاوضات لاحقة.
-
من الجانب الأمريكي: تقديم تخفيف تدريجي وواسع النطاق للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، بما يشمل الإفراج الفوري عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
غضب جمهوري وقلق إسرائيلي: “كارثة استراتيجية”
وأثار هذا الاتفاق الناشئ موجة عارمة من الانتقادات والتحذيرات في الأوساط السياسية الحليفة لواشنطن وتل أبيب:
“هذا الاتفاق يمثل خطأً كارثياً، لأنه سيمكن النظام الإيراني من مواصلة تخصيب اليورانيوم، وتطوير السلاح النووي، مع الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية والعملياتية على مضيق هرمز”. — السناتور الجمهوري تيد كروز
من جهته، حذر السناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، من أن الاتفاق “لن تكون له قيمة تذكر”، معتبراً أن الخيار الأفضل كان يتطلب تفويض الجيش الأمريكي بتدمير القدرات العسكرية التقليدية لإيران لفتح المضيق بالقوة، وهو خيار تجنبه ترامب خشية وقوع خسائر بشرية أمريكية فادحة في حرب برية غير مضمونة النتائج.
أما في إسرائيل، فيرى المسؤولون أن النتيجة الحالية تعد صدمة استراتيجية؛ حيث روج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للحرب باعتبارها فرصة تاريخية لـ “تغيير النظام في طهران”، ليجد نفسه اليوم يراقب نهاية المواجهة مع بقاء النظام الإيراني في السلطة، بل وأكثر تشدداً وبموارد مالية متجددة تمكنه من إعادة بناء شبكة وكلائه الإقليميين. ووصف إيلي غرونر، المدير العام السابق لمكتب نتنياهو، المشهد بكلمة واحدة: “كارثة”.
الاعتراف بالواقع: تفوق إيراني في “السيطرة على التصعيد”
وفي قراءة ميدانية للمواجهة، أشار السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، دان شابيرو، إلى أن إيران أثبتت قدرتها على تحمل أقوى الضربات المشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل والصمود أمامها، بل واكتسبت نفوذاً مستقبلياً هائلاً بعدما برهنت على قدرتها على تهديد الملاحة الدولية ومهاجمة القواعد الأمريكية وجيرانها في أي وقت.
وختم رتشمان مقاله بالإشارة إلى المفارقة الساخرة؛ حيث كان ترامب يسخر دائماً من سلفه باراك أوباما والاتفاق النووي الموقع عام 2015 واصفاً إياه بـ “أسوأ صفقة في التاريخ تفاوضت عليها إدارة عديمة الكفاءة”، ليرد القدر بأن يقف ترامب اليوم على أعتاب توقيع اتفاق هو في الواقع أسوأ بكثير من اتفاق أوباما، بعدما أثبتت إيران علمياً وعملياً قدرتها على خنق ممرات الطاقة العالمية متى شاءت.



