الرئيسيةاهم الأخبارتقارير ودراسات

بين المزايدات الانتخابية والضم الزاحف.. هل يوجه الاحتلال الضربة القاضية لـ “أوسلو” لتصفية حلم الدولة الفلسطينية؟

“موقع صوت العاصمة الإخباري” | الأحد، 31 مايو 2026

عند توقيع اتفاق “أوسلو” عام 1993، رأت فيه منظمة التحرير الفلسطينية خطوة أولى ومرحلية على طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. غير أنه على مدار ثلاثة عقود، اجتهدت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تفريغ هذه الاتفاقية من مضامينها السيادية، عبر مصادرة الأراضي وخنق المدن بالبؤر الاستيطانية، إلى أن جاء الوقت الذي تحول فيه إلغاء الاتفاقية برمتها إلى “مشروع قانون” رسمي يناقش علانية على طاولة حكومة اليمين الفاشي والكنيست.

وكانت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع قد ناقشت، في العاشر من مايو/ أيار 2026 الجاري، مشروع قانون يقضي بالإلغاء التام والتنفيذي لاتفاقيات “أوسلو” وجميع التفاهمات والملحقات الأمنية والاقتصادية المنبثقة عنها.

وينص مشروع القانون، الذي قدمته عضو الكنيست المتطرفة ليمور سون هار ميليخ من حزب “القوة اليهودية” بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، على اعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية باطلة وغير ملزمة للاحتلال، وإلغاء كافة التشريعات المرتبطة بها، وإعادة الوضع القانوني والأمني في الضفة الغربية إلى ما قبل عام 1993، أي إخضاعها بالكامل لـ “الحكم العسكري المباشر”.

أبو بدوية   الاحتلال يستفيد من أوسلو ويخشى الكلفة القانونية

وفي تحليل قانوني وسياسي لهذه الخطوة الأحادية الخطيرة، أكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د. رائد أبو بدوية، “، أن اتفاقات أوسلو ما زالت قائمة رسمياً وملزمة للطرفين من الناحية القانونية الدولية، رغم الانتهاكات الإسرائيلية الواسعة والتدمير الممنهج لركائزها.

وأوضح أبو بدوية أن لجوء الاحتلال لإلغاء الاتفاق من طرف واحد سيفجر إشكاليات قانونية وسياسية كبرى؛ كونه يمثل الإطار الناظم للبنية الإدارية والأمنية والاقتصادية الحالية، مشدداً على أن إنهاء الاتفاق لا يعفي الاحتلال من التزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني، بل سيعيد تحميله -بصورة أوضح وأمام المجتمع الدولي- المسؤولية القانونية الكاملة كـ “قوة احتلال مباشر” وفق اتفاقية جنيف الرابعة.

ودعا أبو بدوية إلى قراءة الطرح الإسرائيلي في سياقه الانتخابي الداخلي وتصاعد قوة اليمين المتطرف، قائلاً:

“يبدو أن جزءاً مهماً من هذا الطرح يهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية ومزايدات انتخابية داخل معسكر اليمين، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة، واستغلال البيئة الدولية الحالية”.

وبين أن الاحتلال لا يزال يستفيد عملياً من بقاء الوضع الحالي (لا حرب ولا سلام، وبقاء الهيكل الشكلي لأوسلو)؛ لأنه يمنحه إمكانية السيطرة الفعلية المطلقة على الأرض والتوسع الاستيطاني، مع تقليص الكلفة الاقتصادية والأمنية المباشرة للاحتلال، مرجحاً أن يذهب الاحتلال نحو نموذج “السيطرة دون الضم القانوني الشامل” وتكريس واقع “الضم الزاحف”.

سيناريوهات المستقبل الإسرائيلي حال إلغاء الاتفاق:

وفي حال ذهب الاحتلال نحو الإلغاء الكلي، استبعد أبو بدوية العودة لإدارة الحياة اليومية للفلسطينيين مباشرة بسبب تكلفتها الباهظة، متوقعاً مسارين بديلين:

  1. إعادة الهيكلة الوظيفية: تحويل السلطة الفلسطينية كلياً إلى مجرد جسم إداري وخدماتي محدود الصلاحيات يشرف على الشؤون المدنية والبلدية للسكان، بينما تبقى السيطرة السيادية والأمنية المطلقة بيد جيش الاحتلال.

  2. روابط بديلة وعشائرية: محاولة رعاية قيادات محلية، مناطقية أو اقتصادية أو عشائرية، لإدارة التجمعات الفلسطينية وربطها أمنياً بالاحتلال، وهو مسار يواجه معضلة “الشرعية والقبول الشعبي”، حيث أثبت التاريخ الفلسطيني فشل وتهاوي أي روابط مرتبطة بإرادة المحتل.

بشارات أوسلو انتهى ميدانياً والاحتلال يريد التحلل من الأعباء

من جانبه، أكد المحلل السياسي سليمان بشارات في حديثه  ، أن الاحتلال الإسرائيلي قد أنهى بالفعل اتفاقية “أوسلو” من الناحية العملية والتطبيقية على أرض الواقع، ويتعامل ميدانياً وكأنها غير موجودة.

وأشار بشارات إلى أن ما أبقى عليه الاحتلال من إطار “أوسلو” هو المسمى الفضفاض فقط، وتوظيفه لابتزاز الجانب الفلسطيني بالتزاماته، في حين تحلل تماماً من أي استحقاقات سياسية أو جغرافية ترتبت عليه.

واتفق بشارات مع أبو بدوية في أن القانون المطروح هو “مناورة سياسية لخطب ود الشارع اليميني المتطرف” مع اقتراب المعركة الانتخابية، لافتاً إلى أن إنهاء “أوسلو” بقرار من الكنيست لن يمرر دون ضوء أخضر وتوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي ما زالت ترى في بقاء أوسلو “مظلة أساسية تمنح الاحتلال أريحية تامة لتنفيذ رؤيته الاستيطانية وإعادة هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي دون كشف غطائه الدولي”.

وأضاف بشارات لـ “صوت العاصمة”:

“إن إلغاء أوسلو رسمياً يعني تحمل الاحتلال لكل تبعات وأعباء الحياة اليومية والاقتصادية للفلسطينيين، وهذا ما يتجنبه الاحتلال تماماً؛ فهو يريد التفرغ الكامل للمشروع الاستيطاني، وترك الأعباء الخدمية واليومية على كاهل إدارات محلية واهنة لإزاحة العبء عن ميزانيته وجيشه”.

وخلص بشارات إلى أن إلغاء الاتفاقية بقرار تشريعي إسرائيلي من شأنه أن يمنح شرعية دولية وقانونية مطلقة لجهود مواجهة المشروع الاستيطاني عالمياً وفلسطينياً، ويسحب ورقة “التنسيق والاتفاقيات الودية” التي يتذرع بها الكيان وحلفاؤه أمام المحافل الدولية، وهو ما يجعل قادة الاحتلال يفضلون سياسة “الخنق الصامت” على الإعلان الرسمي بوفاة أوسلو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى