
خان يونس — صوت العاصمة الإخباري السبت | ستة يونيو ألفين وستة وعشرين
بين ركام المنازل المتفحمة وتحت سماء مدينة خان يونس الملبدة بطائرات الموت الصهيونية، كان الشاب مهند فروانة يظن أنه استطاع المواربة بقلبه لينتزع ليلة فرح واحدة من بين أنياب حرب الإبادة المستمرة. جهّز كل شيء، ونصب خيمته البسيطة فوق سطح منزله المدمّر جزئياً لتكون عشاً لزوجيته المرتقبة، ودعا الأحبة والجيران لليلة “الحناء”، لكن صواريخ الغدر الطائشي كانت أسرع من زغاريد أمه يوم زفافه. وحسب متابعة “صوت العاصمة” الميدانية الإنسانية لفصول هذه الجريمة المفجعة، فقد تلخصت تفاصيلها في المحاور الآتية:
الجريمة فجراً.. صاروخ يغتال العريس في خيمته فوق السطح المدمّر
وفي ساعات الفجر الأولى من اليوم السبت، ارتقى الشاب مُهند عثمان فروانة البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً (25)، شهيداً جراء قصف جوي صهيوني غادر ومباشر استهدف منزل عائلته في وسط مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة. وكان من المقرر أن يُزف الشهيد مُهند إلى عروسه عصر اليوم ذاته، قبل أن يحول صاروخ طائرات العدو الفرحة المنتظرة لعائلة فروانة إلى مأتم ودموع، لينضم مهند إلى قافلة العرسان الشهداء الذين تغتال آلة الحرب أحلامهم على أعتاب المنصة.
ليلة الحناء التي تحولت لمأتم.. جسد محروق وشاهدة عيان تروي الوجع
ومن فوق سرير الاستشفاء بالمستشفى، ويدها ملفوفة بالضمادات البيضاء نتيجة إصابتها في الغارة المباغتة، تروي خالة الشهيد تفاصيل الفاجعة والدموع تحفر مجاريها في وجهها المتعب قائلة: “ابن أختي عريس.. كانت حنّته الليلة.. هو في الطابق اللي فوق نايم بخيمة، وإحنا تحت، وصحينا على فاجعة الاستهداف والاستشهاد”. وتتوقف الخالة لتلتقط أنفاساً مثقلة بالوجع ثم تتابع بمرارة: “صحيت على حالي وأنا إيدي بتشور دم، والنار مولعة في المكان.. طلعوني في الإسعاف وجابوا الولد، إلا هو محروق.. محروق كله.. كله مهند ابن أختي.. أنا جاية فرحانة لعروسه.. صلى العشا ونزل، بيقولوا هم فاتحين السماعات ومهند لسه بيصلي، نزل تحت بعد ما صلى، وبعدين عاود طلع فوق.. والحمد لله على كل حال”.
كرت الفرح ميعادٌ للوداع.. بدلة مغبرة وورود متفحمة وسط الرماد
وكان من المفترض أن يزف مهند عريساً عصر اليوم السبت، حيث وزعت العائلة كروت الفرح ودعت الأحبة لمشاركتهم “ليلة العمر”، وخُتم الكرت بعبارة دافئة: “حضوركم يشرفنا وتكتمل به فرحتنا”؛ لكن الغارة الصهيونية كانت أسرع من موعد الحفل، ليتحول الكرت إلى وثيقة نعي.
ويختزل المشهد فوق السطح المدمّر حجم الجريمة؛ حيث حمل أحد الشبان بدلة زفاف مهند السوداء وقميصه الأبيض مع ربطة عنق حمراء، وقد كستها ذرات الغبار والرماد بعد أن انتشلها من بين الأنقاض، بدلة كان يفترض أن يرتديها مهند ليُزف عريساً فصارت كفناً رمزياً وشاهداً على فرحة لم تكتمل. وعلى مسافة قريبة من البدلة المحترقة، تناثرت ورود الفرح الحمراء والبيضاء التي كان يجهزها العريس لتزيين خيمته وسريره، وباتت منسية فوق الأخشاب المتفحمة والركام، تتقاسم السواد مع بقايا أوراق ممزقة ورماد الانفجار، لتظل شاهدة على جيل كامل يُغتال فرحه ويُزف إلى السماء عريساً شهيداً.



