
صوت العاصمة : نحنُ أصحابُ القضيةِ، نحنُ الشعبُ الفلسطينيُّ الذي لا تموتُ قضيَّتُهُ بموتِ الأبدانِ، ولا تُمحى حقوقُهُ بتقادمِ الزمانِ. ولكنَّ قلبيَ اليومَ يثقلُ، وروحيَ تتألمُ، وعينيَ تقفُ مشدوهةً أمامَ ما يحدثُ في الجنوبِ الغاليِ من تدميرٍ شاملٍ للبيوتِ والممتلكاتِ بشكلٍ يتجاوزُ حدودَ الوصفِ.
تتوالى قوافلُ الشهداءِ من أبناءِ الجنوبِ الأبيِّ، دماءً زكيةً تروي ترابَ الأرضِ دفاعاً عن الحقوقِ المسلوبةِ. عائلاتٌ بأكملها مُسِحَتْ من سجلاتِ الوجودِ، ولم يبقَ لها أثرٌ سوى الذكرى، وأشلاءٌ بريئةٌ مزقتها طائراتُ العدوانِ بوحشيةٍ تعجزُ الكلماتُ عن تجسيدِها.
وعندما تقعُ عينايَ على النازحينَ في المدارسِ ومراكزِ الإيواءِ، أو على شواطئِ البحرِ حيثُ يفترشونَ الأرضَ ويلتحفونَ السماءَ، أدركُ حجمَ المأساةِ؛ فقد سُلِبوا كلَّ ما يملكونَ، ولم يبقَ لهم سوى الأملِ باللهِ والصبرِ الجميلِ.
وفي ظلِّ هذا الجحيمِ الذي يحترقُ فيه إخوانُنا، يُثيرُ استغرابي وألمي ما يجري في مخيماتِنا؛ حيثُ تحولَ حديثُ الساعةِ إلى “الكرتونةِ والبونِ”، وتطايرتِ التهمُ جزافاً، وتعالى الصراخُ من على المنابرِ.
ونحنُ الذين لا نزالُ في منازلِنا، ولم ينزحْ من سكانِ مخيماتِنا إلا القليلُ، ينتابنا خجلٌ عميقٌ ومُرٌّ حينَ نسمعُ هذه الأصواتِ التي تفتقرُ إلى الوزنِ والمسؤوليةِ، وتغيبُ عنها مراعاةُ قدسيةِ المرحلةِ وحرمةِ الدمِ الذي يُراقُ في الجنوبِ.
أليسَ الأحرى أنْ يكونَ الصوتُ موجهاً إلى “الأونروا”؟ تلكَ الجهةُ الملزمةُ قانونياً وأخلاقياً برعايةِ اللاجئِ الفلسطينيِّ وحملِ مسؤوليتِهِ؟
لكنها غائبةٌ كلياً؛ لا أذنٌ تسمعُ ولا عينٌ ترى، بل وتتباهى إدارتُها اليومَ بمهرجاناتِ الاستغناءِ عن موظفيها، في حينِ يخيمُ الصمتُ المطبقُ على أصحابِ المنابرِ نفسها، وكأنَّ الموسيقى واحدةٌ تتناغمُ في نشازٍ مؤلمٍ، وتخدمُ أجندةً واحدةً خفيةً.
إنَّ الهدفَ الخبيثَ وراءَ هذا الضجيجِ هو إسقاطُ المجتمعِ الفلسطينيِّ إلى أدنى مستوياتِهِ، وحرفُ بوصلتِهِ عن قضيتِهِ المركزيةِ. إنها محاولةٌ ممنهجةٌ لنسيانِ الحقوقِ، وتحويلِ صاحبِ الأرضِ والحقِّ إلى متسولٍ، وتعميقِ الشرخِ في بنيانِنا الوطنيِّ الذي يجبُ أنْ يكونَ في صدارةِ الوعيِ والمعرفةِ والتماسكِ.
نحنُ مدعوونَ اليومَ، أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، لرفضِ التشكيكِ في كلِّ شيءٍ، والحفاظِ على قيمِنا ومثلِنا وأخلاقِنا. فالتماسكُ الاجتماعيُّ هو حصنُنا، والوعيُ هو سلاحُنا، والكرامةُ هي هويتُنا التي لا تُساوم.
لنُعلِ صوتَ الحقِّ، ولنُوحّدَ البوصلةَ، ولنحفظَ كرامةَ شعبِنا من أنْ تكونَ مادةً للتجارةِ أو الضجيجِ العقيمِ.



