
“وكالة صوت العاصمة الإخبارية” | الثلاثاء، 26 مايو 2026
تغيب مظاهر الحيوية والنشاط التجاري المعتادة عن أسواق الضفة الغربية في الأيام القليلة التي تسبق حلول عيد الأضحى المبارك، والذي يصادف يوم غدٍ الأربعاء؛ حيث ألقت الأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة بظلالها القاتمة على القوة الشرائية وتوجهات الإنفاق لدى المواطن الفلسطيني، لتترك الأسواق في حالة ركود شبه تام يعكس عمق المعاناة المجتمعية.
ويحل العيد هذا العام مثقلاً بسلسلة أزمات بنيوية متراكمة، أبرزها أزمة رواتب موظفي القطاع الحكومي المتفاقمة، والارتفاع الحاد في معدلات الفقر والبطالة، نتيجة للسياسات الإسرائيلية الممنهجة الرامية لخنق الاقتصاد الفلسطيني وإفقاره لجعله بيئة طاردة.
نصف راتب.. أولويات معقدة وخيارات مستحيلة
وكانت وزارة المالية والتخطيط قد أعلنت، يوم الخميس الماضي، عن صرف رواتب موظفي القطاع العام عن شهر شباط/ فبراير 2026 بنسبة 50% فقط (وبحد أدنى 2000 شيكل)، وهو ما تم ضخه مطلع الأسبوع الجاري.
وأمام هذا المبلغ المحدود، يجد الموظف الحكومي نفسه حائراً في ترتيب أولويات أسرته؛ حيث يقول الموظف عبد الستار أبو نعمة، وهو رب أسرة مكونة من 5 أفراد:
“إن هذه النسبة لا تكاد تكفي لتأمين المستلزمات الغذائية واليومية الأساسية، فكيف لنا أن نتحمل أعباء ومصاريف العيد؟ لقد اعتدنا سابقاً إنهاء التزامات العيد قبل أسبوع كامل، أما اليوم فنحن على أعتاب يوم الوقفة ولم نستطع شراء شيء بانتظار هذه الفتات”. — عبد الستار أبو نعمة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن ضخ هذه النسبة (والتي تقارب قيمتها الإجمالية 650 مليون شيكل) قد يحرك ركود الأسواق نسبياً خلال الساعات الأخيرة، نظراً لأن الموروث الثقافي والاجتماعي الفلسطيني يفرض التزامات وعلاقات اجتماعية في العيد لا يمكن تخطيها، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى ضرورة ترشيد الإنفاق والموازنة بدقة لضمان حد أدنى من الأمان المالي لما بعد فترة العيد.
الشرائح المسحوقة: عمال الداخل وأصحاب المصالح الصغيرة
وإذا كان الموظف الحكومي يمثل الواجهة الرسمية للأزمة، فإن كارثة حقيقية تعيشها شرائح مسحوقة أخرى في المجتمع، وفي مقدمتها:
-
عمال الداخل المحتل: يمر هذا العيد السادي السادس على التوالي على نحو 200 ألف عامل فلسطيني جرى حرمانهم من لقمة عيشهم ومنعهم من العمل منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ حيث تشير البيانات الاقتصادية إلى أن 40 ألف عامل فقط (أي 20%) استطاعوا العودة للعمل بطرق منظمة أو غير منظمة، بينما ترزح الغالبية العظمى تحت خط فقر مدقع بلا أي سيولة نقدية.
-
أصحاب المصالح الصغيرة المتضررة: تفيد معطيات وزارة الاقتصاد الوطني بأن 52% من المنشآت والشركات العاملة في محافظات شمال الضفة (نابلس، جنين، طولكرم، وطوباس) تضررت هيكلياً ومادياً بشكل بليغ جراء الاقتحامات والعدوان المستمر.
-
حصار الجمعيات الخيرية: أقدمت سلطات الاحتلال مؤخراً على إغلاق 3 مؤسسات خيرية وتنموية مرخصة في الخليل ونابلس وجنين، مما حرم آلاف العائلات المستورة من حصص الأضاحي وكسوة العيد التي كانت تعينها على البقاء.
التجار يشتكون: القوة الشرائية في الحضيض
في الميدان، يعبر أصحاب المحال التجارية عن صدمتهم من مستوى الركود؛ حيث يؤكد شاكر سليمان، صاحب معرض أحذية في نابلس، أن الحركة التجارية لم تمر بهذا السوء قط، مستدركاً بالقول: “ما كنا نبيعه في يوم واحد بمواسم العيد قبل خمس سنوات، لا نبيعه اليوم في 5 أيام كاملة، ولولا تسوق أهلنا من فلسطينيي الداخل المحتل لترميم بعض السيولة، لأغلقت المعرض منذ زمن”.
بدوره، يعزو عضو غرفة تجارة وصناعة نابلس، ياسين دويكات، هذا التراجع التاريخي إلى 3 عوامل أساسية: شح السيولة النقدية، وغياب مدخولات عمال الداخل، واقتحامات الاحتلال النهارية المتكررة لمرتكزات المدن والتي تزرع الخوف وتطرد المتسوقين، مشيراً إلى أن المبادرات المحلية والفعاليات التراثية التي تنظمها المدن تحاول جاهدة إنعاش المشهد، إلا أن غياب القوة الشرائية يظل العقبة الأكبر في وجه بهجة العيد.



