رأي صوت العاصمةالرئيسيةاهم الأخبار

رأي صوت العاصمة | شبكة المستوطنات وتفكك الضفة: “الضم الزاحف” الذي يعيد هندسة الجغرافيا ويقوّض حل الدولتين

القدس  المحتلة /فلسطين /لبنان : لم يعد المشهد في الضفة الغربية المحتلة مجرد توسع استيطاني نمطي، بل بات يعكس تحولاً استراتيجياً متسارعاً ينتقل بالمشروع الاستيطاني من “التمدد التدريجي” إلى “الفرض السيادي والإداري”. إننا أمام عملية هندسة جغرافية وسياسية شاملة تُعرف بـ “الضم الزاحف”، تجري على مرأى ومسمع العالم، في ظل انسداد غير مسبوق للأفق السياسي وتراجع فاعلية المنظومة الدولية.

جغرافيا ممزقة وبؤر تلتهم الأرض

إن قراءة المعطيات الميدانية بدقة تكشف أن طموح الاستيطان تجاوز مجرد تسمين المستوطنات القائمة؛ إذ تحولت عملية شرعنة “البؤر العشوائية” (الرعوية والعسكرية) إلى سياسة رسمية تلتهم المساحات الحيوية، مدعومة بشبكات طرق التفافية وبنى تحتية ضخمة.

هذا المخطط لا يستهدف الأرض لذاتها فحسب، بل يستهدف تفكيك الامتداد الجغرافي الفلسطيني. ما نراه اليوم حول الخليل، ونابلس، وأريحا، وحزام القدس، هو عزل ممنهج للمدن والبلدات، وتحويلها إلى “كانتونات” معزولة. ويترافق هذا التمزيق المكاني مع تصاعد عنف المستوطنين في مناطق (ج) تحت غطاء سياسي وأمني رسمي، بهدف دفع التجمعات البدوية والريفية نحو هجرة قسرية صامتة عبر تجفيف مصادر عيشهم.

خلاصة الواقع الميداني: الاستيطان لم يعد “جيراناً غير شرعيين”، بل أصبح شبكة أخطبوطية تعيد صياغة الديمغرافيا والجغرافيا لقطع الطريق أمام أي تواصل فلسطيني مستقبلي.

تقويض حل الدولتين.. من الفكرة إلى الاستحالة

إن الخطورة الكامنة في “الضم الزاحف” تتجاوز السيطرة الميدانية إلى تثبيت واقع سياسي وقانوني جديد؛ حيث تُدمج الكتل الاستيطانية الكبرى إدارياً وأمنياً دون الحاجة لإعلان رسمي وصاخب عن الضم.

هذه السياسة تضرب في الصميم “حل الدولتين”، وتحوله من خيار سياسي معقد إلى مستحيل جغرافي ووظيفي. ومع تآكل المساحة المتاحة للدولة الفلسطينية العتيدة، يصبح الحديث عن تسوية سياسية تقليدية نوعاً من الوهم، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية التي يتهرب منها ببيانات القلق والإدانة الخجولة.

جمود خارجي وتحديات داخلية تتطلب التغيير

يزداد هذا المشهد قتامة مع حالة الجمود السياسي العام وغياب أي ضغط دولي حقيقي قادر على كبح جماح التوسع الاستيطاني. لكن، وفي مقابل التحدي الخارجي، يقف المشهد الفلسطيني الداخلي أمام تحديات بنيوية لا تحتمل التأجيل:

  • ترتيب البيت الداخلي: هناك حاجة ملحة ومصيرية لإعادة هيكلة وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.

  • تحديث الأطر القانونية: فتح الباب لتحديث التشريعات الناظمة للحياة السياسية لتعزيز التمثيل الشامل.

  • إنهاء الفجوة القيادية: إشراك القوى الشبابية والمستقلة في صنع القرار لتقليص الفجوة الآخذة في الاتساع بين الشارع والقيادة.

رؤية صوت العاصمة

إن “رأي صوت العاصمة” يرى أن مواجهة محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية لم تعد تحتمل معالجات مجتزأة أو رهانات على وعود دولية أثبتت الأيام عقمها. إن “الصمود على الأرض” هو الركيزة الأساسية والخط الدفاعي الأول، ولكنه بحاجة إلى إسناد من مقاربة وطنية وإعلامية شاملة، تجمع بين الرؤية السياسية الموحدة وديناميكية التحرك على الأرض. إن إنقاذ ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية يتطلب أولاً استعادة الحيوية للنظام السياسي الفلسطيني ليكون قادراً على مواجهة واقع يتغير بوتيرة متسارعة تسبق الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى